الجزائر

فرانسيس جنسون يصارع الموت :من العصيان المدني إلى مناصرة الجزائر

فرانسيس جنسون يصارع الموت :من العصيان المدني إلى مناصرة الجزائر
نكتب هذه الكلمة، المتواضعة، بعد أن اتصلت بنا عائلة فرانسيس جونسون، لتخبرنا بأنه يعيش لحظاته الأخيرة· المؤسف أن شبابنا عامة وشباب الجامعة بخاصة، يجهل اسم فرانسيس جنسون والدور العظيم الذي لعبه خلال حرب التحرير، وإسهامه الكبير، بل والحاسم في دعم فيدرالية جبهة التحرير في فرنسا· إنه مؤسس شبكة حملة الحقائب،
إحدى أهم شبكات الدعم والمساندة الخارجية لثورة التحرير·
لقد تمكن جنسون بفضل شبكته أن يجلب لمناصرة القضية الجزائرية، أهم وأكبر أسماء المثقفين والفنانين والمناضلين الفرنسيين، من بينهم كوريال ورابتيس وماسبيرو وكوينا وشاربي وارنو وكومبانيو والأب دافيزي··· الخ، وهي شبكة كانت تضم، حسب المؤرخين، حوالي 4000 عضو·
جنسون إذن، هو رمزٌ للتاريخ، بيد أنه من وراء هذه الرمزية القوية التي يمثلها اسمُه، ومن وراء هذين اللقبين المشحونين بذكريات مرحلة أليمة، كانت الجماعة الوطنية داخل فرنسا أثناءها تتخاصم، في تلك الأثناء ظهر هذا الرجل وهو من مواليد ,1922 ولقد انطلق في مساره الفكري والسياسي قبل اندلاع حرب الجزائر، ثم تواصل بعدها، بصرف النظر عن كون جنسون شبكة ومحاكمة، فإنه قبل هذا وذاك فيلسوف ملتزم·
لقد اعتلى جنسون منصة الالتزام والنضال في فرنسا، فرنسا الأخرى·· فرنسا الأقلية الملتزمة قولا وفعلا·
لم تتوقف تدخلات، جنسون، في النقاش الفرنسي عند حدود ''المعضلة الجزائرية''، فحسب، بل ألقى بثقله مرات عديدة في مغامرات سياسية وثقافية تفاعلت فيها كل الرهانات التي كانت تهز عصره آنئذ، ففي 1943 هرب من فرنسا ودخل في كنف العمل السري، لأول مرة، واعتُقل يوم إتمامه الواحد وعشرين ربيعا من عمره، وأُلقي به في معتقل (ميراندا دي إبرو) بإسبانيا الفرانكاوية· وعندما أُطلق سراحه انخرط في صفوف المقاومة السرية الفرنسية بشمال إفريقيا، حيث دخل الجزائر عبر المغرب· وفي ,1952 تزعَّم جنسون طليعة الجدال الإيديولوجي الذي آل إلى قطيعة تامة مع واحد من أبرز مفكري مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ألبير كامو· وبعد سنة 1955 ضحى جنسون بكل ما يضمن له السلامة والأمان ليكرس نفسه كليا لمناصرة الثورة الجزائرية، ويلقي بنفسه، مرة أخرى، في أتون العمل السري·
لم تكن مواقف فرنسيس جنسون، المتعاقبة، نتيجة حتمية أو قدرية لأن موقفه الملتزم إزاء القضية الجزائرية، لم ينشأ من العدم، فانتقاله من الديغولية المناوئة للنازية ولنظام حكم (فيشي) ثم تحوُّله، بعد ذلك، إلى مناهض لموقف الديغولية من حرب الجزائر، وكذلك مسارُه من سجون إسبانيا إلى القطيعة مع كامو، ومن العمل السري أثناء حرب الجزائر، إلى المساهمة في دور الثقافة التي أنشأها (أندري مالرو)··· كل ذلك ينم عن مواقف متعددة الأوجه· تجرأ على معارضة أطروحة البير كامو، وعندما تدخل جون بول سارتر في النقاش، ردّ على كامو، الذي فضل أن تبقى يداه نظيفة بقوله الشهير: ''من أراد أن تبقى يديه نظيفة لا يد له''، إن النظرية التحررية التي يرتكز عليها، جنسون، كانت ترتكز أساسا على وجودية سارتر التي يكتشف المستعمر (بفتح الميم) فيها وبداخلها إنسانيته ضمن سيرورة مناهضة الاستعمار والدولة القاهرة·
لم يندهش جونسون من موقف كبار المستوطنين، فحسب، بل بدا له تصرُّف الإدارة الفرنسية، نفسها، تصرفا شائنا ومخزيا بحيث اصطدم بسلوك المعمرين (8 ماي 1945) تجاه الجزائريين، عن هذا الموضوع وبعد زيارته لمدينة سطيف، كتب يقول: ''لقد استُقبلت في إقامات فاخرة وسمعت منهم كلاما في غاية الفظاظة يحمل إيحاءات مبطَّنة، أحيانا، وصريحة، أحيانا أخرى، [...] لقد بلغوا منتهى التعفن والغطرسة واستحكمت العنصرية في قلوبهم إلى درجة أنهم كانوا يتعجبون ممن يشمئز من موقفهم ذاك· وإذا سألتهم عن حظ الجزائريين في كل هذا؟ يردون عليك بقولهم آه·· نلتقي بهم على قارعة الطريق دائما إنهم قومٌ طيبون، أما عن قضية وجود شعب جزائري فتلك، في نظرهم، مزاعم باطلة· كم كانت صدمتي كبيرة حين تعرَّفتُ على هذه الأوساط المترفة جدا والتي تبدر عنها كل هذه المشاعر اللاإنسانية في وقت قصير·
ثم ذهبتُ إلى سطيف حيث تكفل بي رئيس الدائرة واصطحبني في نزهة عبر مدينته· ولما وقفنا أمام كومة من الجير، تتوسط إحدى الساحات العمومية، قال لي وهو يمسك بذراعي: ''ها انظر: هذا هو المكان'' كان يتحدث عن أعمال الشغب التي وقعت في ذلك المكان يوم 8 ماي .1945 ثم أكمل حديثه بكبرياء: ''هل تتذكرون؟ لقد أراد العرب التمكن منا! ولكننا نحن الذين تمكنا منهم في النهاية، ألفُ قتيل منهم مقابل قتيل واحد منا، أجل يا سيدي، ألفٌ بواحد''· إن ذلك الكوم من الجير هو ركام الجثث التي أُحرقت هنا وتفحمت· [...] أصبح الأمرُ، بالنسبة لي، مسألة محسومة، ربما كان هذا الرجل يعتبرني متواطئا معه· ولقد كان، في كل كلمة يتفوَّه بها، ينطق باسم فرنسا ولم يدُر في خلَده، قط، أن تصريحاته يمكن أن تصدمني· في ذلك اليوم، بالذات، تحولت مشاعر الاشمئزاز في أعماقي إلى قناعة تامة بضرورة التمرُّد''·
كان يرغب في الانتقال إلى عين المكان لمقابلة قادة الثورة في بداياتها، إلا أن تفاقم مرض السل ألزمه البقاء بفرنسا، فأرسل زوجته (كوليت) نيابة عنه، والتي زارت الجزائر ثلاث مرات، في فيفري وماي وسبتمبر ,1955 ثم وافته بالشهادة التالية:
''حللتُ بمدينة الجزائر في شهر فيفري ,1955 فقابلتُ، في أول الأمر، صديقين لي من المناضلين في صفوف الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وهما: علي بومنجل والدكتور فرنسيس· وكان موقفُهما ينم عن كثير من الاحتراس إزاء الانتفاضة المسلحة· ثم التقيتُ ببعض مناضلي حركة انتصار الحريات الديمقراطية، فاستفسروا مني، بلهجة فيها كثير من الصرامة، عن غرضي من وراء مقابلة أعضاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل، الذين كانوا، حسب تقديرهم، مُقدِمين على عمل انتحاري· وفي الأخير قررتُ الاتصال هاتفيا بالأستاذ (مندوز) فأرسل لي طبيبا شابا، هو (بيار شولي)، ليكون دليلي إلى أحد الأحياء القصديرية بضواحي مدينة الجزائر، وهناك اكتشفتُ مناضلين حقيقيين وأدركت للتو أن اللجنة الثورية للوحدة والعمل تتمتع بسمعة (شعبية) حقيقية· وفي آخر المطاف، عشية مغادرتي الجزائر، قابلتُ صالح لوانشي الذي كان مطلوبا من طرف مصالح الأمن منذ الإعلان عن حظر حركة انتصار الحريات الديمقراطية، كان مختبئا عند القس (سكوتو) أحد أصدقاء مندوز، وبالرغم من اعتدال مواقف، لوانشي، إلا أنه كان يبدو أقلَّ تحفُّظا من بقية رفاقه المركزيين إزاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل، قال لي: ''قد تكون هذه الانتفاضة عملية انتحارية ولكن من يدري فربما تكون، أيضا، بداية مسار (تحرري)''· قفلتُ راجعة إلى باريس وهناك عرضتُ على فرنسيس ما استقر عندي من قناعات فقلت له: إن ما حدث في ليلة عيد القديسين ليس مجرد حادث عارض''·
فور اندلاع ثورة التحرير كتب جنسون سنة 1955 رفقة زوجته كوليت، كتابا عنونه: ''الجزائر الخارجة عن القانون''، وهو الكتاب الذي تسبب في هزة ثقافية وسياسية وكتابا ثانيا سنة 1960، كان عنوانه مثيرا للغاية ''حربنا''···
اعتقل في نفس السنة وتزامنت محاكمته بتوقيع العريضة الشهيرة·· عريضة الـ 121، الموقعة من قبل احرار فرنسا والمناصرة للثورة الجزائرية·
اتصل جنسون بقيادة فيدرالية جبهة التحرير الوطني، التي كان يرأسها صالح لوانشي، ثم عمر بوداود وعلي هارون، ويؤسس شبكة الدعم والمساندة، شبكة حملة الحقائب التي كانت تضمن التنقل والإيواء وتهريب الأموال والمناضلين وتزوير جوازات السفر وبطاقات الهوية للمناضلين الجزائريين··الخ، إن جنسون ليس فقط شريك الثورة الجزائرية ومناصرها بل هو أخ وابن هذه الأرض، لأنه كافح من أجل تخليصها من القهر والاستعمار·
فليجد جنسون في هذه الكلمات المتواضعة عرفاننا، وعرفان جزائريين من مثقفين ومجاهدين، يحملونه في قلوبهم، وكل ما نرجوه ونتمناه هو أن تنتبه بلادنا وتستيقظ للاعتراف بجميل، جونسون، وكل الذين ساندونا لنّعرف باسمائهم وأعمالهم وأسس فلسفتهم عن طريق التدريس الثانوي والجامعي··· فهل يعقل أن يبقى أولادنا في الجامعة يجهلون عمل وفكر أمثال فرانز فانون وفرانسيس جونسون وفرانسوا ماسبيرو·· و·· و···
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)