الجزائر

المجتمع العربي والتّفكير الفلسفي عند الدكتور مصطفى كيحل


تفتح كتابات الباحث الأكاديمي والمفكر الجزائري مصطفى كحيل الكثير من الأسئلة التي تعنى بالتحولات المجتمعية والثقافية في السياق العربي، ويأتي كتابه الجديد «مدخل إلى قضايا الفلسفة التطبيقية»، عن منشورات الجمعية الجزائرية الجزائرية للدراسات الفلسفية، 2018، ضمن سياق فتح الأنساق الفلسفية التي تحاور المجتمع ومتغيراته.من مباحث الكتاب..
ينطلق الباحث من ضرورة تحديد مفاهيم ودلالات الأخلاقيات التطبيقية، بالبحث فيها وفي ميادينها، ونجد بأنها تشمل الواقع العملي والثقافي الغربي، لأنها مرتبطة بالتطورات العلمية والتقنية، كما أنها - حسب كتاب كحيل - من الصيحات المتجددة في الفلسفة العملية، في ظل الانتقال الغربي من الأخلاقيات إلى القوانين،ثم إن الأخلاقيات التطبيقية هي قواعد براغماتية وعلمانية لتنظيم الحياة العملية...ومن ميادينها نجد أخلاقيات البيئة والأعمال - الاقتصاد.
ومن المباحث التي يمكن قراءتها في الكتاب نذكر»تحسين النسل (اليوجنيزم) وعودة التفكير الفلسفي في الجسد»، و»الليبرالية ومعضلة التعددية الثقافية»، و»الانسان في أفق فلسفة الحداثة الحقوقية»...
كما يناقش المفكر الجزائري مصطفى كحيل الخطاب الاستشراقي بين إرادة الهيمنة وأفق علوم الإنسان، ويحلل جدل الهوية، ويحاور مسألة أزمة الفلسفة في الثقافة العربية المعاصرة، ومن المباحث نذكر كذلك مبحثا عن الدرس الفلسفي والمنعطف الرقمين، وهو مقال هام عن المستجدات التكنولوجيا والاتصالية والموقف الفلسفي من تأثيراتها وتجلياتها في الانسان وفي تعليمية الفلسفة...
عن الغياب الفلسفي في المجتمع العربي؟
يحاول الكاتب كيحل دراسة أزمة الفلسفة ضمن الفضاء المجتمعي والثقافي العربيين، فيعود لمظاهر الأزمة وعوائق التفلسف، ويتوقف عند غياب قاعدة الحرية كسبب أول، يقول: «الحرية هي أول شرط لانبثاق روح التفلسف القلق والفكر السؤول والنقدي...والحرية المقصودة هنا هي الحرية بمعناها المركب والمتعدد، بداية من التحرر من كل أشكال الوصايات الأبوية السياسية والدينية والاجتماعية والرمزية التي تصادر الفكر الحر وتحجر على الوعي...»
ويعتبر المفكر العائق الثاني هوشراسة النزعة العلموية والتقنوية، حيث تحولت التقنية لوثن يعبد والفلسفة أضغات أحلام كما يعبر المفكر فتحي التريكي، ويتوقف الأستاذ مصطفى كيحل (أستاذ بقسم الفلسفة بجامعة عنابة، الجزائر) عند تأثير ما يسميه دوغمائية المتخيل الديني على غياب الموقف الفلسفي، ورغم - كما نلاحظ - قسوة التعبير هنا واختلافنا مع الدكتور كحيل حول الصيغة، فله الحق في التعبير والتفكير، ولا يمكن أن نمارس الإقصاء ضده، وبالتأكيد أن الخطاب الديني في المجتمعات العربية يحتاج لكثير من النقد والتأمل.
يقول الدكتور كيحل: «عكس النزعة العلموية الحسية، فإن المتخيل الديني - الذي هو مجموعة التمثلات التي تشكل أفكار الناس وتصوراتهم - يقع خارج التجربة الحسية والاستدلال البرهاني، والفلسفة كانت ولا تزال ضحية هذا المتخيل، حيث يتم تجييش العداء للفلسفة في الماضي على أنها من العلوم الدخيلة...»، ونرى بأن هذا المبحث الهام من الكتاب سيفتح الكثير من النقاش والجدل في الجزائر والعالم العربي، حول الدكتور كيحل وطروحاته الفلسفية، بخاصة حول مصطلح «المتخيل الديني» وحدوده وآليات ضبطه، والسؤال الكبير: هل الدين فعلا ضد الفلسفة؟ هل كل فقيه هو بالضرورة يصارع ويواجه التفكير الفلسفي؟...
ويرجع الكاتب الجامعي العائق الأخير أمام حضور الفلسفة عندنا لغربة الدرس الفلسفي وعدم فعاليته، نتيجة عدم اهتمامه بالمشكلات الفلسفية الجوهرية للثقافة العربية، وتعلقه بالتاريخ فقط، ولأنه لم ينخرط في المستجدات الواقعية التي تصيب المجتمع.
في الختام..
للتذكير فالكاتب مصطفى كيحل له كتابات كثيرة حول الفكر العربي، منها كتابيه: «الأنسنة والتأويل في فكر محمد أركون» و»العقل الوضعي وسؤال التجديد..دراسة نقدية في الجهود الحديثة لزكي نجيب محمود»، وهو عضو خبير في مجلات علمية أكاديمية، وشارك في عديد الملتقيات الوطنية والدولية، كما أنه عضو في الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية ومن طاقم هيئة تحرير مجلتها «مجلة الدراسات الفلسفية».
هذا الكتاب مهم، ليس للدراسات الفلسفية فحسب، بل هو يعني كل مجالات العلوم الانسانية والاسلامية، بل هو كتاب يهم المجتمع العربي المعاصر، ويحتاجه كل قارئ عربي ليتأمل التحولات الوطنية والإقليمية والدولية من المنظور الفلسفي، وإذا كانت الفلسفة تحتل مكانة هامة في الدول المتقدمة، رغم كل التحولات التكنولوجية، فالأكيد أن تأمل البحث الفلسفي والتسويق له سيكون أحد آليات النهوض الحضاري الشامل في الدول المتخلفة، فهل وصلت الرسالة للخطاب السياسي الرسمي العربي؟
إنّ كتاب الدكتور مصطفى كيحل متميز في مضمونه ويفتح النقاش حول قضايا هامة، وهو موجّه لكل الباحثين في الشأن الفكري والثقافي والمجتمعي العربي، وننصح بالاطلاع عليه.
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)