
تسعى الجزائر كدولة لمحاربة التطرف من خلال جهودها المبذولة في حث القائمين على مساجدها للعب أدوار بارزة في التصدي لهذا الفكر المتطرف حفاظا على المرجعية الدينية ووسطية الإسلام، تفاديا لمعايشة فترات عصيبة كفترات التسعينيات وما خلفته، حين اتخذ المتطرفون والمتشددون بيوت الله مركزا ومنطلقا لهم لأغراض سياسية، والتي لا تزال فلولها تدبر لزرع جذور أخرى للتطرف من بوابة أخرى كما أثبته مؤخرا عديد الملفات الأمنية والقضائية التي برز فيها دور دعاة "الجهاد الداعشي".الأمر الذي يجرنا إلى الحديث عن انطلاقة "الفكر الداعشي" بالجزائر، فحتى وإن ارتبط ذلك حقيقة بالفضاء الأزرق ومواقع التواصل الاجتماعي، غير أنه كان لبعض المساجد بالجزائر دور أيضا في تجنيد عناصر لهذا التنظيم الإرهابي فبات بعضهم من أبرز قادته، بحيث كشفت عديد الملفات الأمنية والقضائية التي تمت معالجتها بمختلف الهيئات والأجهزة أن العديد من المقتنعين "بالفكر الداعشي" استغلوا "عباءة الدين والتدين" لتجسيد أفكار "التشدد والتطرف" مع أنهم لا يفقهون في الدين والشريعة ولا أصولهما شيئا، فباتوا من دعاة "الجهاد المغلوط" ليتخذهم تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام، (داعش) "قادة وزعماء له" بعدما اتخذوا من بيوت الله منابر لغسل أدمغة الكثيرين من مختلف الفئات العمرية لاسيما الشباب من خلال تنظيم حلقات وعظ ودروس دينية وحتى ملتقيات ومخيمات. هي فعلا حقائق وقفنا عليها من خلال معالجة عدة ملفات قضائية كيفت بالجنائية برز خلالها دور "تنظيم داعش" وكيفية استغلاله المساجد بالجزائر لتجنيد الجزائريين في صفوفه والتكفل بهم ماديا إلى غاية بلوغهم ساحة القتال بإغراءات عديدة، وهو ما يعيبه القانونيون ممن تحدثت إليهم "البلاد" في ظل وجود ثغرات قانونية لعدم تصنيف الجزائر تنظيم "داعش" كتنظيم "إرهابي" حتى يكون ذلك حائلا دون وقوع الجزائريين المغرر بهم في مخالب هذا التنظيم، مع أن الجزائر ظلت السباقة إلى محاربة التنظيمات الإرهابية ودحض نشاطها من خلال تسخير عدتها البشرية والآلية للقضاء عليها. «دري محمد من بطل في رفع الأثقال إلى "أبو بكر الجزائري"... "ذباح داعش"لعل أبرز الملفات القضائية التي تعني الانخراط في تنظيم جماعة إرهابية مسلحة يقصد بها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" التي كُشف فيها أن انطلاقة تجنيد الجزائريين تمت من بيوت الله خصت ملف الإرهابي "دري محمد" بطل الجزائر في رفع الأثقال للموسم الرياضي 2012، ونال 17 إجازة في علوم الحديث والقرآن بسوريا، منها إجازة في القرآن الكريم بثلاث قراءات وأخرى في صحيحي البخاري ومسلم وموطأ الإمام مالك، وتتلمذ على يد كبار علماء السعودية، فبات إماما متطوعا بمسجد "بو بكر الرازي" ببلدية الكاليتوس، حيث التزم دينيا عام 2005، وازداد تشددا عقب أدائه مناسك العمرة سنة 2006، وحضر حلقات لعلماء السعودية فأضحى طالبا في الشريعة، ليسافر بعدها إلى سوريا من أجل الالتحاق بأحد المعاهد، حيث مكث فيها يطلب العلم الشرعي قرابة ثلاثة أشهر ليعود إلى الجزائر، ويجدد رحلته إلى سوريا سنة 2007، حيث سجل في معهد الفتح الإسلامي سنة 2009، وتزوج من فتاة سورية أنجب منها طفلا.فبات يكنى "أبو بكر الجزائري" أو حسب ما يتداول إعلاميا ب "ذباح داعش" الذي ظهر في أول فيديو لتنفيذ حكم الإعدام ذبحا لضحايا "داعش"، وهو الذي تمت تزكيته فبات قاضيا شرعيا للتنظيم، بعدما كان يتولى إمامة مسجد "أبو بكر الرازي" في بلدية الكاليتوس بالجزائر، وهو الذي نجح من خلال دروس وعظ وحلقات كان يلقيها بالمسجد في تجنيد العديد من الشبان ضمن صفوفه وتدبر سبل التحاقهم بجبهات القتال في سوريا والعراق بعدما أقنعهم بضرورة الجهاد تحت لواء "الدولة الإسلامية"، إذ تمكن البعض منهم من نفيذ عدة عمليات انتحارية فيما تم إيقاف آخرين.وتشير الإحصائيات إلى وجود نحو 1100 جزائري مازالوا يقاتلون في صفوف "داعش" في العراق والشام، بينما تم القضاء على 300. وعاد "أبو بكر الجزائري" أول ذباح في داعش إلى مسقط رأسه بالجزائر نهاية 2011 بعد انطلاق أحداث الربيع العربي، فيما ترك عائلته الصغيرة بسوريا ولم يتمكن من اللحاق بها إلى بعد نحو سنتين. وبعد فشل عائلته في الالتحاق به في الجزائر، تمكن من السفر إلى سوريا عبر تركيا بعد نحو سنتين. وكان خلال تواجده بالجزائر يزاول دراسته بجامعة الخروبة أين تتلمذ على الشيخ محمد علي فركوس، وفتح محلا لبيع الأعشاب الطبية وممارسة الحجامة موازاة مع إمامته مسجد "الرازي" بالكاليتوس كمتطوع. وينسب له الانخراط في تنظيم "جبهة النصرة"، كما نشر له فيديو وهو يقوم بذبح ضابط سوري وفيديوهات أخرى تظهره رفقة عناصر التنظيم وهم يحرقون كميات معتبرة من السجائر بعد حجزها، كما ظهر في مقاطع أخرى بصفته القاضي الشرعي لجبهة النصرة كان يوجه فيها خطابا يحث فيها الناس عى الجهاد والقتال وحاجة التنظيم للأسلحة والذخيرة لمحاربة الرئيس السوري الذي وصفه ب«الطاغوت بشار" ومحاربة من وصفهم أيضا ب«أصحاب القلوب المريضة" الذين يحاولون تهريب الدخان وهو من المحرمات بقيمة 65 ألف دولار ما يعادل 17 مليون ليرة سورية. كما ظهر في تسجيل فيديو آخر وهو يحجز شاحنة من السجائر وسط حشود من المواطنين، وهو يحثهم على محاربة كل من تسول له نفسه تهريب المحرمات، وهو يرتدي قميصا وعمامة ويحمل جهاز راديو لاسلكيا. "الضابط الشرعي" لجند الخلافة استغل مسجد في بودواو لتجنيد أتباعهلم يبرز القاضي الشرعي ل«داعش" وحده من الجزائريين، بل حتى الضابط الشرعي هو الآخر جزائري ويتعلق الأمر ب (مريمي محمد) المكنى "أبو مرام الجزائري" الذي استغل مسجد "الرحمة" بمدينة بودواو ليجند العديد من الشبان وتولى غسل عقولهم وزرع الفكر الجهادي فيهم لإقامة الدولة الإسلامية، فولى نفسه إمامة المسجد وكان ينظم حلقات ودروسا بعد كل صلاة عشاء، يحث فيها الحاضرين على ضرورة الجهاد بالعراق وسوريا مقابل دعمهم ماديا وتسهيل إجراءات سفرهم إلى هناك عبر بوابة تركيا بعد تسهيل استخراج جوازات سفرهم وضبط رحلاتهم ويغريهم بالأموال وزواج المتعة. ونجح الضابط الشرعي في تجنيد الجزائريين من الجنسين بعد أن يعدهم ب "نعيم الجنة". واتخذ من مخيم صيفي معسكرا لتلقين الفنون القتالية والتدرب على استعمال مختلف الأسلحة الحربية. الجزائر نجحت في التصدي لأفكار المتطرفين ولكن...وفي ظل ما سلف ذكره يرى متتبعون أن الجزائر فعلا نجحت في تحصين مساجدها ضد الأفكار المتطرفة بفعل ما ذاقته البلاد خلال العشرية السوداء. وفي تصريح منقول، أكد رئيس المجلس الوطني المستقل لأئمة المساجد، جمال غول، أن مساجد الجزائر محصنة أمام الأفكار المتطرفة والتكفيرية، ولن تستغل منابرها من جديد من قبل المتشددين كما حدث في التسعينيات، مشيرا إلى أن "مناعة المساجد الجزائرية ضد فكر الإرهابيين نسبية، بالنظر الى عدم تغطية جميع المساجد بالأئمة الأكفاء"، مضيفا أن المساجد المؤطرة من قبل موظفين رسميين تابعين لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف ومتخرجين من المعاهد والجامعات هي حقيقة في حصن منيع من التطرف، لكن تبقى مساجد أخرى غير مؤطرة من قبل هؤلاء والتي تمثل 57 بالمائة من المساجد الموجودة بالجزائر ككل، داعيا إلى محاربة استعمال المساجد لأغراض أخرى. وتسعى وزارة الشؤون الدينية الجزائرية إلى سد غياب النشاطات داخل المساجد من خلال تنظيم محاضرات يقدمها الأئمة وإقامة حلقات دينية تحت إشراف الإمام.كما شدد على "ألا تكون الحلقات الخاصة إلا بترخيص من الإمام والوزارة لتعمل على سد الفراغ داخل المساجد عبر إقامة دروس بين صلاتي المغرب والعشاء لأن الطبيعة لا تقبل الفراغ، وسوف يساهم ذلك في حماية المسجد من استغلاله لأمور مشبوهة".
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : آخر تحديث 19 55 2017 07 18
المصدر : www.elbilad.net