
ها قد غيّر الخوف معسكره معالي الوزير وسعادة السفير ورجل الدولة الذي قل نظيره. نعم غيّر الخوف موقعه، فخرجوا أمس مبتهجين لوفاتك، لأنهم لم ينتصروا على أفكارك، لم ينتصروا علينا، ولم يتمكنوا من إسقاط الجمهورية وهي في حماية رجال من قامتك، لما استلمت الحكومة أثناء العشرية السوداء وقبلها لما شاركت في المجلس الأعلى للدولة الذي سيّر البلاد بعد وقف المسار الانتخابي واستقالة الرئيس الأسبق الشاذلي، لما استجبت لصرخة الوطن، ولما كان الشعب الجزائري مخيرا بين المحشوشة أو الاستسلام لمشروع ظلامي.أعرف أنك لم تكن ممن وافقوا على وقف المسار الانتخابي في جانفي 1992، لكنك ساهمت كباقي الإطارات الوطنية في حماية الدولة النوفمبرية التي كنت أحد أبنائها المؤسسين، لما ساهمت شابا يافعا ومثقفا ووطنيا في مفاوضات الاستقلال وخرجت منتصرا بانتصارها، ثم مثقفا مساهما في كتابة تاريخ الثورة وتركت أثرا طيبا ونلت ثقة الجميع لأنك كنت أهلا لها.ها قد غيّر الخوف بموتك موقعه، وأزعجتهم وفاتك مثلما كانت مواقفك الوطنية وإصرارك على الحرب على الإرهاب دون لين ولا رحمة، فخرجت خفافيش الظلام من جحرها تتشفى لموتك، مع أن الموت حق، لأنهم يعرفون أن مواقف الرجال وأفكارهم لا تموت، وما زال صدى مقولتك الشهيرة يبعث العزيمة في نفوس الأحرار، والرعب في نفوس أعداء الحرية وأعداء الوطن، وإلا ما الذي يجعل شخصا أكل في كل الموائد مثل حسن عريبي، الذي حمل لواء الدفاع عن القتلة والمجرمين، يتشفى في موت وطني وإنسان نقي مثلك، مع أنه زكى قياديين آخرين ودافع عنهم عند إقالتهم ومنهم الرجل القوي سابقا الجنرال توفيق.لكن أين إرثه العدائي والمصلحي، من إرثك ومن تاريخك الذي يفخر به كل جزائري حر حمل شعلة الثورة في فؤاده، وقاسمك النضال والحلم؟فبقدر ما نأسف لرحيلك ورحيل وطني شريف آخر سبقك منذ أيام، المرحوم كمال رزاق بارة، الذي كان هو الآخر أحد الأعمدة التي ارتكزت عليها الجمهورية وهي تترنح تحت نار الإرهاب، بقدر ما ننحني أمام اسمك ونصلي من أجلك شاكرين لك كل ما قدمته لبلادنا، شاكرين لك وفاءك لقيم الجمهورية التي منحت زهرة شبابك لإرسائها ودافعت عنها في شيخوختك، قولا وفعلا. لن يسعنا إلا أن نترحم على فقدانك، لكن عزاءنا أنك تركت إرثا نرجع إليه لنستلهم منه، وكنت لنا المثل الذي خط الطريق أمام الأجيال، فأبدا لن ينالوا من شخصك، وأبدا لن نسمح لهم بطمس نضالك وذاكرتك!ونحن نودعك اليوم تذكرت حديثا دار بيننا منذ سنوات لما أجريت معك حوارا ل”الفجر” في بدايتها، وبعد أن انتهينا من لعبة الأسئلة والأجوبة، سألتني بإعجاب، في أي جامعة درست؟ وعلقت باندهاش لما قلت لك أنني تخرجت من جامعة عنابة، فابتسمت وقلت ”هل في الجزائر جامعات تكوّن الطلاب بهذا المستوى العالي؟”.رحمك الله وعوضنا فيك خيرا!
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : حدة حزام
المصدر : www.al-fadjr.com