تشهد الكثير من مراكز العلاج الجوارية بقسنطينة جملة من المشاكل جعلتها بحاجة ماسة لعملية التأهيل المادي والبشري، فبين بنايات متآكلة وأسقف آيلة للسّقوط وفريق طبي غائب تكاد تتحوّل بعض هذه الهياكل لبيوت أشباح يهرب منها سكان المناطق النّائية، بدل أن تكون مركزا صحيا يسهر على توفير الرعاية الصحية لقاصديه.
“الفجر” قامت بزيارة لبعض الهياكل الاستشفائية التّي من المفروض أن تعمل على خدمة السّكان وتوفير التّغطية الصّحية اللاّزمة، وفق استراتيجية الوزارة الوصية المتعلّقة بتشجيع الصحة الجوارية وتقريبها من المواطن، لكن الواقع في بعض القرى يترجم وضعيات كارثية لقاعات العلاج التّي يمكن أن يقال عنها “خرابة” بأتمّ معنى الكلمة، والمثير أنّ غالبيتها ينبئ خارجها عمّا هو موجود بالدّاخل، حيث تكاد الأسقف تسقط على رؤوس مرتاديها والممرّض أوالطّبيب الموجود - إن توفّر - بسبب غياب الطّاقم المؤهل في غالبية القاعات.
وذلك حال قاعة العلاج بمنطقة المريج و900 مسكن بالخروب وغيرها من القاعات التّي قد تزيد من حدّة بعض الأمراض، لاسيما إن وقفنا على وضعية تسرّبات مياه الأمطار والرّطوبة ورائحة العفن المنبعثة منها التّي شبّهها أحدهم برائحة القبور، وهو الجوّ الذّي من المفروض أن يكون آخر ما نقابل به مريضا يريد التّعافي والعودة لحياته الطّبيعية.
هروب جماعي من قاعات العلاج
ويهرب الأطباء من قاعات العلاج بمختلف بلديات الولاية الاثنتي عشر لوقوع بعضها في مناطق نائية أو عدم توفّرها على الوسائل والتّجهيزات التّي تسهّل من القيام بمهامهم، فيما لا تبدي مديرية الصّحة اهتماما بهذه القضية التّي تشغل سكان القرى والمداشر والمشاتي ممّن يطالبون بنصيبهم من حقّ العلاج و التّداوي، بدل اللّجوء لقطع مسافات طويلة بغية الحصول على خدمات طبيّة بسيطة جدا.
والمثير أنّ بعض قاعات العلاج قد تتوفّر أحيانا على طبيب واحد لآلاف السّكان بدوام غير كامل، بينما قد يسوء الحال في بعضها بحيث لا تتوفّر إلاّ على ممرض واحد، أو شخص قد يأتي مرّة في الأسبوع لفتح القاعة على أمل تجديد هوائها، حسبما يتداوله سكان إحدى المناطق الرّيفية على سبيل التّنكيت.
الحدّ الأدنى من الخدمات غير متوفرّ
لتكتمل الصّورة القاتمة عن قاعات العلاج كهياكل تشبه “الخرابة” التّي لا يقصدها أحد، فإنّ الخدمات التّي تقدّمها أغلبها توحي بضرورة غلقها بدل التّفاخر بعددها، حيث أنّ غالبيتها عاجزة عن تقديم الحدّ الأدنى من العلاج نظرا لنقص الإمكانيات كأجهزة قياس الضّغط مثلا، دون الحديث عن اللّقاحات والأدوية الضّرورية، لدرجة أنّ بعضها هجرت تماما من طرف السّكان الذّين أدركوا عجز الهيكل عن تقديم الحدّ الأدنى من الخدمات، مادامت الجهات المعينة حرصت على إبقائه هيكلا بلا حياة.ولأنّ قاعات العلاج لازالت ترتّب أسفل سلم اهتمامات المسؤولين - هذا إن صنفت أصلا - فإنّ أحد الأطباء بإحدى قرى قسنطينة يتكفّل بفتح القاعة المسؤول عنها، بينما يتحمّل أيضا عناء تنظيفها، وهي المهمة التّي تجعله يحس بالتّعب مادامت القاعة مخصّصة لراحته نظرا لعدم توفّر الإمكانيات لتقديم أيّ خدمة علاجية للسّكان.
لغة الأرقام تكشف المستور
وبلغة الأرقام فإنّ قسنطينة بها 27 هيكلا للصّحة الجوارية بعض منها مغلق بلا سبب ولا مبرّر، حتى أنّ الجهات الرسمية فوجئت بغلقها أثناء إعدادا التّقارير عنها، وهي الوضعية التّي تطرح أكثر من سؤال.. وبلا إطناب فإنّ قاعة علاج وحيدة ببلدية ديدوش مراد وبالضّبط بمنطقة واد الحجر تتوفّر على كافة الشّروط والظّروف المساعدة، بينما تتخبّط القاعات الأخرى في مشاكل تقود لهجرانها نهائيا من طرف السّكان.
هذه الأرقام المقدّمة من طرف جهات رسمية من حقّ أي مواطن أن يحاسب بها السّلطات، التّي تتحدّث عن ميزانيات وأموال لأجل تحسين خدمات الصّحة الجوارية، بينما لا يلمس من نتائج هذه الميزانيات شيء.
وفي هذا الإطار، يشير الكثير من سكان المناطق الرّيفية إلى اللاّعدالة المنتهجة من قبل المسؤولين، فبالإضافة لعدم الاهتمام بالصّحة الجوارية التّي تتراجع يوما يعد يوم وتعرف خدماتها تدنيا ملحوظا، فإنّ بعض المناطق لا تتوفّر حتّى على قاعة علاج واحدة رغم عدد سكانها وبعدها عن البلدية الأم. فيما أنّ بعض المناطق تحوي أكثر من قاعة علاج متقاربة كان من الممكن الاستغناء عن إحداها بكلّ بساطة. ويجبر سكّان بعض التّجمعات السّكانية على التّنقل مسافات طويلة للوصول لأقرب قاعة علاج قد لا يجدون بها ضالتهم، ما يجبرهم على التوجه إلى العيادات الخاصة.
الوضع حملناه إلى أكثر من مسؤول بقاعات العلاج، غير أن إجابتهم تشابهت في الغالب، حيث أجمعوا على أن غياب الموارد البشرية بشكل ملحوظ خاصة في القرى والأرياف أثر سلبا على السير الحسن لهذه القاعات، إضافة إلى قلة الإمكانات، ويكفي أمن جل القاعات لا تتوفر على أجهزة تبريد وتكييف ولا حديث عن سيارات الإسعاف.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : سهام جزار
المصدر : www.al-fadjr.com