عين-الدفلى - Algérie-Roumanie

محمد غراينية، “الأمير الجزائري في رومانيا” بطل منسي من أبطال الحرب العالمية الأولى



محمد غراينية، “الأمير الجزائري في رومانيا” بطل منسي من أبطال الحرب العالمية الأولى
محمد بن محمد بن جيلالي غراينية، المعروف في الذاكرة الرومانية بلقب “الأمير الجزائري” أو “الأمير العربي”، وُلد يوم 5 جويلية 1891 بمدينة خميس مليانة (أفريڤيل سابقًا) في الجزائر. نشأ في أسرة جزائرية متواضعة، غير أن مساره العلمي كان لافتًا، إذ تابع دراسته العليا في فرنسا وتخرّج صيدلانيًا قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى.

مع بداية الحرب، جُنّد في صفوف الجيش الفرنسي ضمن فوج الرماة الجزائريين، وشارك في المعارك الكبرى على الجبهة الأوروبية. وفي خضم القتال العنيف، أُسر على يد القوات الألمانية ونُقل، مع عدد من الجنود الحلفاء، إلى معسكرات الاعتقال في رومانيا التي كانت آنذاك تحت الاحتلال الألماني والنمساوي-المجري.

في معسكر سلوبيزيا بسهل باراغان، عانى الأسرى، وخاصة الجنود القادمين من شمال إفريقيا، من ظروف قاسية: برد شديد، نقص في الغذاء والملابس، وانتشار الأمراض. وبفضل تكوينه العلمي، أُوكلت إلى محمد غراينية مهمة الإشراف على الرعاية الصحية للأسرى الجزائريين والأفارقة. ولم يقتصر دوره على التمريض، بل امتد إلى علاج المدنيين الرومانيين الذين كانوا يعانون بدورهم من نقص الخدمات الطبية في زمن الحرب.

تميّز غراينية بشخصيته القوية، وهدوئه، ونزاهته الأخلاقية، وقدرته على رفع معنويات الأسرى، فكان يحثّهم على الصمود والحفاظ على الكرامة رغم القهر. هذا السلوك النبيل، إلى جانب علمه وثقافته، جعل الرومانيين يطلقون عليه لقب “الأمير الجزائري”، وهو لقب رمزي يعكس الاحترام والتقدير، لا انتماءً أرستقراطيًا بالمعنى التقليدي.

مع اقتراب نهاية الحرب سنة 1918 وتقدم قوات الحلفاء، تشير الروايات التاريخية إلى أن محمد غراينية انخرط في محاولات لتنظيم تمرد أو تسهيل تحرير المعسكر بالتنسيق مع عناصر من المقاومة المحلية. وفي 14 أكتوبر 1918، وخلال تحرك خارج المعسكر، أُلقي عليه القبض من طرف دورية ألمانية، ليُعدم رميًا بالرصاص في مدينة سلوبيزيا، قبل أسابيع قليلة فقط من نهاية الحرب العالمية الأولى.

خلّد الرومانيون ذكراه باعتباره شهيدًا وبطلًا إنسانيًا. ولا يزال قبره قائمًا في مقبرة أبطال سلوبيزيا، كما نُصبت لوحة تذكارية في مكان إعدامه تحمل نقشًا بالفرنسية والرومانية جاء فيه:
«هنا أُعدم على يد الألمان يوم 14 أكتوبر 1918 الأمير العربي غراينية محمد، الجندي الجزائري.»

وقد كُتبت عنه مقالات وشهادات في الصحافة والمجلات الرومانية خلال فترة ما بين الحربين، أبرزها مقال بعنوان “تضحية الأمير الجزائري محمد غراينية”، الذي جعله رمزًا للتضامن الإنساني والشجاعة الأخلاقية في زمن الحرب.

رغم هذه المكانة في الذاكرة الرومانية، لا يزال محمد غراينية شخصية شبه مجهولة في الجزائر، باستثناء بعض المقالات الصحفية والمبادرات المحلية التي سعت في السنوات الأخيرة إلى إعادة الاعتبار له ولأمثاله من الجنود الجزائريين الذين قاتلوا وماتوا بعيدًا عن وطنهم.

إن قصة محمد غراينية ليست مجرد سيرة فردية، بل هي شاهد حي على إسهام الجزائريين في تاريخ أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى، ودليل على الروابط الإنسانية غير المتوقعة التي نسجها التاريخ بين الجزائر ورومانيا، عبر رجل واحد جسّد بالعلم والشجاعة والكرامة معنى البطولة الحقة.

سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)