كانت وزارة الثقافة قد أوقفت في ذات السنة أشغال ترميم ضريح امدغاسن التي كانت تشرف عليها مديرية البناء والتعمير لعدم مطابقة الدراسة والأشغال للمعايير المعمول بها، ليتحول ملف العملية -مؤخرا-، حسب نائبة مدير حفظ وترميم الممتلكات الثقافية غير المنقولة بوزارة الثقافة، السيدة شرشالي نبيلة، إلى وزارة الثقافة ممثلة في مديرية الثقافة بباتنة للإشراف على العملية ومتابعة تنفيذها.
المعلم الأثري مصنف ضمن قائمة التراث الوطني، علما أن ضريح امدغاسن مقترح منذ سنة 2002 ضمن القائمة التأشيرة مع مجموعة من الأضرحة الملكية على المستوى الوطني كالضريح الملكي الموريتاني بتيبازة وضريح ماسينيسا بالخروب وضريح بني رنان بسيق بعين تيموشنت وضريح تين هينان بمنطقة أبالسة بتمنراست إلى جانب أضرحة جدار بفرندة بتيارت لتسجيلها في قائمة المعالم العالمية ضمن تصنيف تسلسلي.
المعلم الذي أصبح اسمه يطلق منذ السنة الماضية على مارطون دولي بباتنة تعرض في السنوات الأخيرة إلى تردي كبير ساهمت فيه بشكل كبير العوامل الطبيعية، وذلك على الرغم من تسييجه واتخاذ إجراءات لحمايته، لاسيما مياه الأمطار التي أصبحت تتسرب إلى داخله من خلال التشققات التي أحدثت في أعلى الضريح من طرف منفذي عملية الترميم الأخيرة التي أوقفتها الوزارة الوصية مما استدعى تدخلا استعجاليا لإنقاذ هذا المعلم التاريخي.
وجاءت الزيارة الموجهة التي نظمتها جمعية أصدقاء امدغاسن إلى ضريح الملك النوميدي فرصة لإعادة اكتشاف جماليات هذا المعلم الذي يعود تاريخ بنائه إلى نهاية القرن الرابع وبداية القرن الثالث قبل الميلاد والوقوف على وضعيته الحالية.
ولم يبخل المختص في علم الآثار ورئيس مصلحة حماية التراث الأثري بمديرية الثقافة بتقديم شروح وافية عن تاريخ هذه البناية التي تكاد تكون الوحيدة من نوعها بشمال إفريقيا بشكلها الضخم ذي القاعدة الدائرية التي تمتد على 59 مترا وارتفاع 19 مترا فالضريح -يضيف المختص- نوميدي بحت من الداخل إلا أنه يحمل من الخارج خصائص لحضارات أخرى من البحر الأبيض المتوسط ويعد -حسب المختصين- رمز إنشاء دولة موحدة في شمال إفريقيا.
وسيحتضن كل من قصر الثقافة والمركز الوطني للسينماتوغرافيا وقاعة ابن زيدون وقاعة المو'ار فعاليات الأيام الثقافية الروسية بالجزائر العاصمة، والبداية اليوم بقصر الثقافة مفدي زكريا الذي سيشهد تدشين معرض الصور حول الآثار والمعالم الإسلامية بروسيا، يعقبه إحياء حفل تنشطه فرقة ''كباردينكا".
ولن يكون لقصر الثقافة شرف احتضان اليوم الأول من هذه الفعاليات وحسب، بل سيعرف كل من المركز الوطني للسينماتوغرافيا وقاعة المو'ار، تنظيم نشاطين اثنين في هذا اليوم وهما على التوالي: فيلم ''بوشكين، الصراع الثنائي الأخير'' وحفل في الجاز لفرقة ''ديكسي لند سيبريان''.
أما عن يوم الغد، فستعرض قاعة السينماتيك البث الثاني لفيلم: ''بوشكين، الصراع الثنائي الأخير''، ومن ثم عرض فيلم: ''قلعة برست'' للمخرج ألكسندر كوت، أما عن قصر الثقافة فسيتم في فضائه إحياء حفل الرقص والموسيقى لفرقة: ''بابي ليتو''، بينما تنشط فرقة ''ديكسي لند سيبرمان''، حفلها الثاني وهذه المرة في قاعة ابن زيدون (رياض الفتح).
يوم الثلاثاء؛ سيشهد تواصل الأيام الروسية بالجزائر، وفي هذا السياق يعرض بالسينماتيك فيلم ''قلعة برست'' (للمرة الثانية) وفيلم: ''المدبرون''، هذا الأخير سيعرض للمرة الثانية يوم الأربعاء المقبل في نفس الفضاء ومن إخراج ليفان كاربيادز، يتبعه عرض فيلم ''يولكي، الصنوبر'' للمخرج تامر باكمانتوف.
وسيتم بقصر الثقافة الأربعاء القادم، تنظيم حفل اختتام الأيام الثقافية لفيدرالية روسيا تحييه فرقة الموسيقى العالمية، بينما ستعرف السينماتيك الخميس المقبل عرض فيلم''يوكي، الصنوبر'' للمرة الثانية ومن ثم عرض فيلم ''أميرال'' للمخرج أمدرال كورفانشوك.
تتواصل بمدينة بومرداس فعاليات ''الأيام الوطنية الأولى لمسرح الطليعة تحت شعار ''المسرح ترسيخ لروح المواطنة'' وهذا إلى غاية بعد غد، بمشاركة فرق مسرحية لكل من برج بوعريريج، تيزي وزو، سطيف، أدرار، بومرداس والدولة الضيف، جمهورية مصر العربية ممثلة في فرقة ''لايتينج''، كما يسعى القائمون على هذه التظاهرة إلى ترقيتها لمصاف المهرجانات الدولية باستضافة عدة بلدان وهذا ابتداء من الطبعات القادمة.
وحضر حفل افتتاح التظاهرة التي انطلقت فعالياتها مساء الأربعاء المنصرم، الأيام الوطنية الأولى لمسرح الطليعة بدار الثقافة ''رشيد ميموني'' لولاية بومرداس، السلطات المحلية للولاية والوفود المشاركة في التظاهرة الثقافية التي تنظمها التعاونية الثقافية الفنية ''سموط'' لصاحبها عبد الرزاق سماط الذي كشف لـ''المساء'' أن الهدف من وراء تنظيم هذه التظاهرة يكمن في تشجيع التواصل بين الفرق والتعريف بمختلف الثقافات التي تزخر بها المناطق المختلفة عبر أنحاء الوطن، معتبرا أن احتضان بومرداس للأيام الوطنية الأولى لمسرح الطليعة بمثابة الهدية من طرف وزارة الثقافة، ومكسبا هاما لتفعيل الحركة الثقافية أكثر بالولاية.
ويحمل برنامج الأيام الوطنية الأولى لمسرح الطليعة عرض مسرحيات للفرق المشاركة من خمس ولايات، اختارت كل فرقة مسرحية تدخل بها غمار المسابقة التي تقوم على تقييمها لجنة مكونة من السيد محمد جرافلية أستاذ مادة التمثيل ومخرج إذاعي، السيد علي تامرت ممثل ومخرج مسرحي وبلقاسم شيحاوة ناقد مسرحي. وتتنافس الفرق الوطنية المشاركة، إضافة إلى الفرقة المصرية، على جوائز وصفت بالقيمة وتخص: أحسن عرض متكامل، أحسن سينوغرافيا، أحسن أداء رجالي، أحسن أداء نسائي، أحسن نص مسرحي وأحسن إخراج.
وتشارك جمهورية مصر العربية في الأيام الوطنية الأولى لمسرح الطليعة كضيف شرف بفرقة ''لايتينج'' التي من المنتظر أن تقدم عرضها لمسرحية ''الجَبانة'' في اختتام التظاهرة، بالمقابل، كشف رئيس الفرقة محمد شريف حمدي لـ''المساء''، على هامش التظاهرة، أن الفرقة تأسست في 2005 وتضم 7 أعضاء أساسيين وممثلين آخرين يتغيرون حسب العروض. وقال المتحدث أن مسرحيات الفرقة هي ''عادة أعمال عالمية تقتبس في ثوب جديد، يجمع بين الإيهام واللاإيهام في محاولة لتسليط الضوء على النفس البشرية بكل ما فيها من صراعات سياسية، اجتماعية وحتى ثقافية، ولكنها في المجمل تهتم بالجانب الإنساني''.
وتتناول مسرحية ''الجَبانة'' في الموضوع قصة قهر الزوج لزوجته التي قبلت الارتباط به لكونه رجل أعمال وصاحب جاه، ولكنها عاشت معه مشاكل كثيرة خاصة بعد أن اِلتقت الزوجة بصديق قديم تطورت بينهما علاقة حب، اكتشفها الزوج فيما بعد فزاد ظلمه لزوجته، وفي هذا السياق، قال مخرج المسرحية لـ ''المساء'' أن ''المسرحية تعكس قصة مجتمع يثير الشفقة أو المجتمع الذي يبيع نفسه للماديات ويدفن كل مقوماته.. لذلك تقرأ الجبَانة والجبّانة، بمعنى الخوافة التي تدفن نفسها في مقبرة اختيارية''.
وعن مدى ترابط موضوع المسرحية بمرحلة ما بعد ثورة 25 يناير، يقول محدث ''المساء'' أن ''النصوص المسرحية أصبحت أكثر جرأة وفيها حرية أكثر في المتناول وفي معالجة الموضوع، مضيفا أن هناك مشروع إعداد مسرحيات تعالج إيجابيات ثورة يناير من خلال الحرية والقضاء على الفساد، والسلبيات كذلك من خلال وجود تيارات كثيرة في مصر ممكن تحفز زرع البلبلة''، وفي مقام آخر، عبّر رئيس فرقة ''لايتينج'' عن بالغ سعادة الفرقة للمشاركة في الأيام الوطنية الأولى لمسرح الطليعة كونها ''أول مشاركة دولية لنا ونعتبرها الانطلاقة لنا دوليا''.
جدير بالإشارة أن أيام مسرح الطليعة الوطنية تعرف، إلى جانب العروض المسرحية، تنظيم ورشات تختص بالتأليف المسرحي، الإخراج المسرحي، التمثيل المسرحي وورشة خاصة بالسينوغرافيا.
اهتمام السيدة حورية أحسن جاب الله، أستاذة التعليم العالي ومختصة في علم النفس العلاجي للطفل، وأهمية أن يكون هنالك أخصائيون عياديون مكونين تكوينا جيدا لفهم الاضطرابات التي قد تحدث له خلال مراحل نموه، قد دفع هذه الأخصائية إلى ترجمة بعض الكتب التي تعتبر من الدراسات القليلة المتخصصة الصادرة باللغة العربية في مجال علم النفس، وقالت في هذا الصدد إن المنتج العلمي ينبغي أن يكون باللغة العربية، لمساعدة الدارسين والأولياء والمتخصصين العيادين في مجال التكفل النفسي بالطفل الذي يعتبر أمانة لابد من الحفاظ عليها.
في بداية محاضرتها التي جاءت تحت عنوان ''أهمية التكفل النفسي بالطفل في مختلف مراحل نموه'' التي ألقتها مؤخرا بثانوية زينب أم المساكين بالعاصمة، دعت الأستاذة حورية أحسن إلى ضرورة وجود مراجع باللغة العربية يُستند إليها الممارس في أي مجال، لذا، قالت: ''كان من واجبي إصدار مراجع باللغة العربية لمساعدة المعنيين بعالم الطفل على فهم ما قد يحدث له خلال مراحل نموه''.
وقسمت الأستاذة حورية محاضرتها إلى عدة محاور من بينها؛ محور خاص بضرورة توصيل المعارف باللغة العربية، وقالت في هذا الخصوص إن عملية النمو تمر بسلسلة من المراحل، وأن كل مرحلة تُبنى على أساس المرحلة السابقة، وفي هذه العملية بالذات، ينبغي أخذ حاجات الطفل في الاعتبار، لأن لكل مرحلة خصوصية في ظل وجود مراحل خارجية إجتماعية وبيئية، وعوامل داخلية نفسية وبيولوجية تؤثر على تكوين الطفل. وحتى يكون المختص العيادي على علم بما ينبغي أن تكون المراجع التي استقى منها تكوّنه باللغة التي يفهمها، لذا تظهر الحاجة إلى أن تكون مصادر المعرفة باللغة العربية حتى لا نغفل أي طارئ يمكن أن يحدث خلال مراحل نمو الطفل المختلفة، وتكون العوامل المؤثرة في النمو واضحة ومفهومة.
وبعد أن انتقلت الأستاذة المحاضرة إلى المحور الثاني الذي عنونته باسم ''حرية الطفل بين الموروث والمكتسب''، قالت في هذا الخصوص: ''إن المقصود بالموروث هو المادة الخام التي ينطلق منها الطفل خلال مراحل نموه، أما المقصود بالمكسب، فهي الأدوات والتقنيات والمناهج المتوفرة بالبيئة أو المجتمع الذي ينتمي إليه، ولأن للحرية حدودا- تضيف المتحدثة- ونقصد بها الحدود البيئية والاجتماعية، فإن الطفل لا يمكن أن يحصل على ما هو غير متوفر في بيئته، من هنا يبدأ دور الأسرة والمختص النفساني لمعرفة ما إذا كان لضرورة وجود هذه الوسائل الغائبة تأثير على نمو الطفل، لأن الطفل بمثابة النحاة أو البناء، إذ لا يستطيع أن يقوم بعمله في ظل غياب الأدوات. ولحسن الحظ، تضيف المحاضرة أن الجهاز العصبي للطفل الذي يتلقى الأوامر، لديه القدرة على الاختيار يبن ما يحتاجه، وترك ما يعتقد أنه غير مهم، ولأن الطفل خلال مراحل نموه يبدأ في عملية التعلم، كان لابد من متابعته، لأن عملية نمو الطفل تمر بمراحل حرجة تبدأ بعد الولادة، وتستمر خلال فترة نموه. فإن وجدت بعض المؤشرات خلال فترة النمو، لابد من التدخل بسرعة لأن عملية التكفل بالطفل خلال المراحل الأولى من عمره تكون سهلة، ولكن إن حدث وتم تجاوز المؤشر للجهل بحالة الطفل يكون من الصعب تدارك الأمر، وعوض أن يكون دور الأسرة أو المختص العيادي هو البناء يتحول إلى دور المصلح، ولكن إن دخل الطفل مرحلة المراهقة التي يصطلح على تسميتها بمرحلة آخر فرصة، يكون فيها التصحيح مسألة تحتاج إلى مختص نفساني لديه تكوين ميداني جيد ليتمكن من القيام بعملية التصحيح، ليعيدنا الحديث في هذا المجال إلى ضرورة التكوين الميداني الجيد من المراجع المعربة''.
من ناحية أخرى، قالت الأساتذة حورية أحسن إن الجهاز العصبي للطفل في بداية نموه يتميز بخاصية الليونة، وبالتالي تكون عملية البناء ناجحة قبل ثلاث سنوات عند ظهور أي مؤشر على سلوك الطفل بنسبة 80 بالمائة، لتبدأ هذه النسبة بالتراجع كلما كبر الطفل، فمثلا في سن 6 سنوات، تكون إمكانية النجاح في عملية البناء بعد ظهور الاضطراب في حدود 60 بالمائة. أما إن دخل الطفل مرحلة النضج العصبي وبلغ سن 16 سنة، يكون من الصعب القيام بعملية البناء على المختص العيادي، فتبدأ عملية التصحيح.
وتكمن أهمية تدخل المختص العيادي النفساني المكون تكوينا ميدانيا جيدا -حسب ذات المصدر- في تأمين الوقاية الأولية للطفل، كما ينبغي في هذا الخصوص التأكيد على أن وجود مختص نفساني ليس بالضرورة دلالة على أن الطفل مضطرب، ولكن لأن هذا الأخير الأقدر على تأمين الوقاية اللازمة لحمايته، مما قد يحصل له من الناحية النفسية، كأن تحدث كارثة طبيعية مثلا فقد لا يظهر أي سلوك على الطفل، ولكنه في واقع الأمر بحاجة للمتابعة النفسية. ولأن التكفل النفسي بالطفل يتطلب أيضا القدرة على التمييز بين الطفل العادي والطفل المريض، وعليه تسأل المحاضرة: كيف يمكن للعيادي النفساني أن يميز إذا كان يفتقر لمراجع تمكنه من تقيم حالة الطفل النفسية خلال مراحل نموه المختلفة؟.
وجاء على لسان المختصة أن الأولياء، غالبا، لا يعترفون بالاضطراب الحاصل في سلوك أطفالهم ويترددون كثرا للإفصاح عنه، ويحاول الأولياء في كل مرة تفادي الأمر، لذا كان لابد من أجل حماية الطفل مشاركة الأسرة.
ولأن الأسرة هي التي تسمح بتربية الطفل وإعطائه الحدود التي يجب له احترامها، والتي تساعده في تنمية مهاراته، كان من المهم أيضا -تقول المتحدثة- ''تكوين المدرسين في جميع أطوار التعليم، ليتمكنوا من توجيه الأطفال إلى المختصين النفسانيين عند ظهور العلامات الأولى، وعدم إهمال المؤشرات الدالة على وجود اضطراب، تضيف، ''أصبح من الضروري تكوين حتى المعلمين في مجال علم النفس، إلى جانب تكوين متخصصين ممارسين عياديين وهذا لا يتحقق في ظل قلة المراجع باللغة العربية التي أصبحت حتمية لإنجاح المتابعة النفسية''.
وفي ختام محاضرتها، وصفت الأستاذة حورية تربية الأبناء اليوم بالمهنة المعقدة وقالت: ''الأولياء اليوم بحاجة ماسة إلى المختص أو المرشد النفساني، لأن التكفل النفسي بالطفل تحول إلى مهمة مصيرية يتوقف عليها مستقبل المجتمع''.
عنابة اسم لإحدى الولايات الساحلية الجزائرية الجميلة، تزاوجت فيها مناظر الطبيعة المتنوعة مع الماضي العريق الذي تشهد عليه الآثار التاريخية إلى يومنا هذا.. ولهذا استطاعت أن تستقطب ثلاثة ملايين وخمسمائة سائح خلال الصائفة المنصرمة، رغم أن شهر أوت تزامن مع رمضان.. في أجندتها عدة مشاريع استثمارية خاصة لإنشاء هياكل إقامة أخرى لاحتضان المزيد من عشاقها.. لهذه الولاية كانت الزيارة، وكانت الوقفة لتأمل مسيرة مدينة بونة من الأمس إلى اليوم.
هناك في أقصى الشرق الجزائري ليس بعيدا عن ولاية الطارف والحدود التي تفصلنا عن تونس، تمتد عنابة بشريطها الساحلي الذي يشكل ديكورا طبيعيا أزرقا ويمنحها طلة مميزة.. وفي قلب هذه الولاية، تتصدر مدينة بونة أو عنابة حاليا كعروس فاتنة تتجمل من آثار الماضي وتصاميم الحاضر.
''المساء'' حطت الرحال في هذه المدينة الجميلة، في إطار جولة سياحية إعلامية نظمتها وزارة السياحة والصناعة التقليدية بالتنسيق مع الديوان الوطني للسياحة.. بعد استراحة قصيرة عقب الوصول، كانت الجولة في شوارع عنابة ليلا..
جمال وأصالة في مدينة ساهرة
من يتجول في شوارع عنابة ليلا، يشعر كأنه في النهار، حيث أن السمر جزءا من حياة العائلات العنابية، التي انتشر بعضها في الشواطئ والحدائق العمومية في جو خريفي هادئ، احتضن جماعات من النساء والأزواج وجموعا من الشباب مع حضور مميز للباعة المتجولين، فالحركة تسود بصفة ملفتة في ليالي مدينة عنابة التي تجلب المتعة للهاربين من حرارة المنزل وروتين النهار.
في الغد كانت الانطلاقة نحو سوق أهراس ومنه نحو قالمة، حيث المبيت في فندق بوشهرين، وفي اليوم الرابع والأخير من الرحلة كانت العودة مجددا إلى مدينة عنابة.
عنابة، إسم مدينة تغيرت تسمياتها بتغير الحضارات التي تداولت.. ففي العهد الفينيقي والروماني، كانت تعرف باسم ''الهيبون''، ثم أصبحت ''هيبو ريجيوس'' في عهد النوميديين، ليطلق عليها إسم ''بونة'' في عهد الحفصيين.. وقد سماها العرب ''عنابة'' نسبة لأشجار العناب. احتلها الفرنسيون لعدة أشهر عام ,1830 عادوا إليها عام 1832 لتبنى المدينة الجديدة منذ العام ,1870 والجدير بالقول في هذا الصدد أن ''هيبو ريجيوس'' كانت مركزا للفكر المسيحي، حيث عاش فيها واحد من أعظم الشخصيات الدينية في العالم المسيحي، ألا وهو القديس أوغسطين (354-430 م بتاغاست سوق أهراس اليوم). تعرضت هيبو لحصار الوندال الطويل الذي استمر أربعة عشر شهرا، استولوا عليها عام,431 وخلال تلك الفترة مات القديس أوغسطين ولم تنج سوى الكاتدرائية و''مكتبة القديس أوغسطين'' من الدمار الذي لحق بالمدينة. وبعد الوندال، أصبحت هيبو ريجيوس من أملاك البيزنطيين في عام ,533 إلى أن جاء العرب المسلمون وفتحوها عام .697
بين سخاء الطبيعة والتاريخ
تقع مدينة عنابة شمال شرق الجزائر على ساحل البحر الأبيض المتوسط، تعتبر من أهم المدن في الجزائر، وميناؤها من أهم الموانئ على البحر الأبيض المتوسط.
وعلى مساحة 8 كلم، تمتد شواطئ المدينة لتشكل سياجا طبيعيا أزرق .. تجذبك إثر التجول فيها بنايات استعمارية تم ترميمها، مع بروز بنايات جديدة بعضها عبارة عن هياكل سياحية.. تشبه بعض أحيائها أحياء القصبة بالجزائر العاصمة.. وبين هذا وذاك تستقطبك مظاهرها الطبيعية على غرار السلسلة الجبلية إيدوغ ذات الغابات التي تشكل لوحة فنية، إذ تمتد على مساحة 8 آلاف هكتار.
وللصناعة التقليدية أيضا نصيب كبير في هذه المدينة، نذكر منها صناعة الفخار والجلود والطرابيش، بالإضافة إلى اللباس التقليدي، لكن مشكلة هذه الصناعات هي المنافسة الشديدة التي تتعرض لها من طرف المنتوج المستورد الذي يباع بأثمان أقل من المحلية.
ولمدينة عنابة عدة شواهد تاريخية مازالت تصارع عوامل الزمن من أجل البقاء، منها آثار هيبون التي تحتوي على مساحة تسمى ''الفوروم''، حيث تعد أقدم وأوسع ما اكتشف لحد اليوم، كما توجد بقايا مسرح ومدرجات، بالإضافة إلى متحف الهيبون الذي يضم آلهة؛ كإله الخمر باكوس وإله الحب فينوس، وعدة لوحات فسيفسائية تعود إلى القرون الميلادية الأولى وإلى فترة الحكم العباسي.
على ربوة هيبون المشرفة على المدينة الأثرية، توجد كنيسة القديس أوغسطين الذي نجا من الدمار، تنقلنا إلى المكان ولم نصل إلى هذا المعلم التاريخي، إلا بعد عدة دقائق من الصعود المتواصل، حيث استقبلنا الأب عبد الله رافييل.. تأسست الكنيسة سنة ,1881 ومنذ سنة ,1900 أصبحت مكانا للصلاة بعد الانتهاء من إنجازها. وتتميز بطابعها المعماري الذي يجمع بين الطراز الروماني، البيزنطي والأرابيسك العربي. وفيها قاعة مركزية للصلاة، بها منبر مصنوع بالرخام. ويخضع هذا المعلم منذ ديسمبر 2010 للترميمات التي ينتظر أن تنتهي سنة ,2013 وتحتضن هذه المدينة أيضا مسجد أبي مروان الذي تأسس قبل أكثر من عشرة قرون، شرع في تصميمه أواخر النصف الثاني من القرن الرابع للهجرة، وتم بناؤه سنة 425هجري، وهو من طراز أندلسي. إضافة إلى جامع الباي الذي يحمل إسم مؤسسه صالح الباي، أنشأ في حوالي,1792 حيث يجمع بين النمط العمراني التركي والمغاربي. ويضاف إلى هذا المعلم ضريح سيدي خليف، ضريح سيدي إبراهيم وحمام القايد، ''راس الحمرة'' أو اللوحة الطبيعية الفنية كان أيضا محطة للوفد الصحفي الذي زار الشرق الجزائري، ويسمى كذلك نسبة إلى لون التراب الأحمر الذي يميز هذه المنطقة التي تطل من الناحية الشرقية على الطارف وتونس، والتي يتخذها البعض طريقا للهجرة غير الشرعية.
وبهذه المنطقة عدة مواقع أثرية تنتمي إلى عصر ما قبل التاريخ، به أضرحة أولياء صالحين مثل ''لالا العجمية'' و''بنت السلطان'' التي ما تزال مغارتها مقصد الراغبات في الزواج والإنجاب.
هو بصفة عامة، منظر طبيعي وجذاب ينتمي إلى عهد الرومان يتربع على مساحة 18 هكتارا، وبمجرد إلقاء نظرة يشدك مشهد امرأة صخرية مستلقية على حافة مياه البحر بشعرها الطويل المنسدل، وللإشارة، توجد براس الحمرة قرية سياحية أنشأت منذ 15 سنة، لكن دون أن ترى النور إلى يومنا هذا، لأسباب تبقى مجهولة، بحسب المرشدة السياحية أمال نواورية بوحريس، وعموما، تعد عنابة مدينة سياحية بفضل موقعها الاستراتيجي، شواطئها ومناظرها الطبيعية الخلابة وآثارها.. لكن تبقى هذه المدينة -بحسب المرشدة السياحية- بحاجة إلى خطة لتعزيز الأمن الذي تهدده عصابات الإجرام، فضلا عن ضرورة إيلاء أهمية لتكوين عمال قطاع السياحة لتحسين الخدمات التي يجب أن تكون بمثابة أداة للترويج للتقاليد.
مشاريع لاستقطاب المزيد من عشاق بونة
والولاية ككل تتمتع بمؤهلات سياحية هائلة نظرا لتنوع تضاريسها، مما جعلها قبلة السياح الراغبين في الاسترخاء في أحضان الطبيعة الجميلة، لاسيما وأنها تمتلك عدة هياكل للنقل، منها شبكة طرقات تقود نحو مختلف الاتجاهات وسكة حديدية تربط بين عنابة والجزائر، علاوة على المطار.
ويضم الساحل العنابي 25 شاطئا؛ منها 20 شاطئا مسموحا للسباحة، ما جعلها تفوز بصورة فنية مثيرة، لاسيما عندما يلتقي الجبل بالبحر في سرايدي، حيث يتربع قصر المنتزه وسط غابة كثيفة.
وتضم عنابة، الولاية التي تعتمد في اقتصادها على الصناعة التحويلية والصيد والسياحة، عدة مرافق سياحية منها الفنادق كالمنتزه الذي فتح أبوابه منذ ,1971 سيبوس، إلى جانب ريم الجميل وصبري اللذين فتحا أبوابهما في السنوات الأخيرة. وكذا مؤسسة التسيير السياحي لمدينة عنابة (جهوية)، والتي استفادت مؤخرا من غلاف مالي قدره 10 مليار دج لإعادة تأهيل وتطوير خمس هياكل سياحية ممثلة في فندق المنتزه، سيبوس، القالة بعنابة، وفندقي الشلالة ومرمورة بقالمة.
وحسب مدير السياحة والصناعة التقليدية لولاية عنابة، نورالدين نافع، استفادت الولاية من عدة مشاريع استثمارية لإنشاء فنادق ومقصورات لتطوير قدرتها على استيعاب السياح، والتي تبلغ حاليا 4048 سريرا. فضلا عن إعداد عدة دراسات لتهيئة شواطئ عنابة، وتوجد بها عموما خمس مناطق للتوسع السياحي هي؛ شطايبي(1) وشطايبي (2)، الكورنيش، واد بقراط وسيدي سالم، ولديها عدة إمكانات لتطوير السياحة المناخية، الثقافية والحموية، يضيف المصدر.
هذه هي عنابة باختصار في سطور: لوحة فنية طبيعية وموروث ثقافي متنوع يستلقي على حافة الحوض المتوسطي.. ما يجعلها بمثابة تحفة تغازل المارة في الشرق الجزائري، وتدعو كل من يرغب في قضاء لحظات من الرومانسية بين زرقة المياه واخضرار الغابات وروعة التضاريس إلى زيارتها.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : sofiane
صاحب المقال : نوارة.أ
المصدر : www.el-massa.com