تمنراست - A la une

تمنراست أرض الأساطير ومهد أولى الحضارات البشرية



تمنراست أرض الأساطير ومهد أولى الحضارات البشرية
صنفت منضمة +اليونيسكو؛ منطقة الطاسيلي بتمنراست سنة 1982 ضمن الثرات العالمي، كما أوصت بحفظها كخزان للبحوث العلمية حول الحضارة الراقية التي ولدت هناك، وتبلغ مساحة الطاسيلي حوالي 10 آلاف هكتار، وتضم آلاف النقوش الصخرية التي تعكس جانبا عن صراع الإنسان من أجل كسب قوت يومه، من خلال صور مطاردة الغزال وحيوانات أخرى.توجد في الموقع قصور مبنية بالصلصال والخزف على طول واد جاف تشهد جميعها على قيام حضارة التوارڤ العريقة والتي سبقت حضارة الفراعنة بأكثر من 5آلاف سنة، اليوم تعيش تمنراست وضعا حرجا في ضل التحديات الأمنية بعد أن كانت يوما ملتقى للسياح ومقصدا هاما لهم. ابن بطوطة رفضوا أن يعلموه فافترى عليهم... قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين ممن تحدثهم عن مدينة تمنراست، عادات وتقاليد التوارڤ الذين يعدون السكان الأصليين للمنطقة ولعل أشهر الأساطير التي حيكت حولهم، هي أسطورة الرجال الملثمين الذين أجبروا على اتباع هذا العرف أبا عن جد بدل النساء، وذلك بعد انهزامهم في إحدى المعارك، وتولي النساء الدفاع عن الديار بدلا منهم. غير أن القليلين من يعرفون أن هذه الأسطورة لا أساس لها من الصحة وأن الرحالة ابن بطوطة هو أول من أطلقها ودونها في مؤلفه ”تحفة الناظر”، ثم أخذها عنه ابن خلدون ودونها في مقدمته الشهيرة لتذيع القصة لدى العوام، ويرجع المؤرخون سبب تأليف ابن بطوطة لهذه القصة إلى تفسيرين، أولهما أن ابن بطوطة الذي حل ضيفا على التوارڤ في سنة 1341 اشتكى من عدم استقباله بشكل جيد ومن شح المعلومات التي أطلعه عليها التوارڤ حول عاداتهم وطريقة عيشهم، فانتقم منهم بأن وصف رجالهم بالجبن. أما التفسير الثاني فيعود أيضا إلى شح المعلومات التي قدمها التوارڤ إلى الرحالة الذي اضطر إلى أن يفسر ظاهرة الرجل الملثم وفق معايير المجتمع الأبوي الذي ينتمي إليه، يقول الدكتور بادي ديدة أستاذ الثقافة الأمازيغية بجامعة بجاية: ”تزخر حضارة التوارڤ بالكثير من الأساطير سواء تلك النابعة من معتقدات التوارڤ الخاصة أو تلك التي حيكت حولهم والتي تكون في الغالب عبارة عن تفسير الآخر لظواهر وعادات وفق منطقه الخاص والجماعة الإنسانية التي ينتمي إليها وهو الحال مع أسطورة الرجل الملثم”. أصل الحكاية أن التوارڤ يفتخرون إلى غاية اليوم بانتمائهم إلى الملكة تين هنان ”أم الأشراف” و”ناصبة الخيام”، حيث مازالوا إلى اليوم يتغنون بخصالها وأمجادها ويعتبر المجتمع الترڤي من بين المجتمعات القليلة التي مازالت تخضع إلى سلطة الأمومة، حيث تستحوذ المرأة على مكانة جد راقية وتعتبر الآمر الناهي في أهم القضايا وتورث البنت بدل الذكر، ويضرب لنا الدكتور بادي ديدة مثالا على أهمية المرأة في المجتمع الترڤي بتاريخ القبائل في المنطقة والتي يعود تأسيس كل منها إلى إحدى الجدات، كما يسرد لنا أصل تسمية تمنراست والأصل في الكلمة تمنغاس، وهو لقب أحد أمراء التوارڤ، والذي أبى إلا أن يؤنث اسمه في تسمية المكان، فالتوارڤ يرجعون المجد والعز إلى الأمومة ويعتبر ضريح جدة التوارڤ الأولى الملكة تينهنان في منطقة أبالسة أحد أهم مزارات التوارڤ اليوم. وتقول الروايات أن هذه الملكة تعرضت لمضايقات الأسرة الحاكمة آنذاك لتفر رفقة حاشيتها وتقطع الصحراء الكبرى، لينتهي بها المطاف في أبالسة بتمنراست، أين اختارت الإقامة بسبب توفر شروط الحياة بها، حيث يوجد فيها تقاطع لوادين مهمين للتزود بالمياه، ورافقت الملكة أختها المسماة ”تكمات”، والتي هاجرت إلى منطقة آير بالنيجر، أين أنجبت أولاد ”مدى”، وهي قبيلة مشهورة اليوم في النيجر، وتم اكتشاف ضريح الملكة تين هينان سنة 1925 بعد القيام بعمليات تنقيب حفريات مشتركة بين باحثين فرنسيين وأمريكيين، وعند العثور على الضريح قام الفرنسيون بأخذ الهيكل العظمي والذي أعيد في سنة 1982 إلى الجزائر، فيما استولى الأمريكيون على المجوهرات وتم وضعها في متحف بكلفورنيا وقامت وزارة الثقافة بإجراءات عديدة لاسترجاع المجوهرات، غير أن العملية لم تسفر إلى غاية اليوم عن نتائج إيجابية.يا رجال الجزائر اتعظوا...تقول الباحثة في علم الاجتماع لبنى تازولت أن المجتمع الترڤي يشهد أقل حالات الطلاق في الجزائر، كما لا تكاد تسجل حالات سوء معاملة أو عنف ضد المرأة، إذ يلحق العار بالرجل الذي يسيء إلى زوجته مدى الحياة، ويطرد من القبيلة، ويعتبر خارج عرفها ومخالفا لتقاليدها، وتحتوي تعاليم الزواج الترڤي ما يعزز رأفة الرجل بالمرأة، فهو عليه أن يعامل الزوجة وفق قانون ليالي التراحم الثلاث، ففي أول ليلة عليه اعتبارها أمه، وفي الثانية أخته، والثالثة زوجته، فإن فسدت علاقته بها كزوجة، عاملها كأخت، وإن فسدت علاقة الأخوة، عاملها كأم، ولا تكاد علاقة تفسد بين أم وابنها.أسكرام قريب من اللهعلى بعد 80 كلم من وسط مدينة تمنراست يتربع جبل أسكرام الشهير والذي يعتبر مقصدا مهما للسياح، حيث يتم الوصول إليه عبر طريق شاق وغير معبد، وتستغرق الرحلة حوالي أربع ساعات للوصول إلى قمة أسكرام التي ترتفع بحوالي 2800 م عن سطح البحر وتصل درجة الحرارة حتى12 درجة تحت الصفر، ويعتبر المكان قبلة مفضلة للسياح، إذ لا يمكن تفويت الاستمتاع بأجمل شروق وغروب في العالم كله. وتقول أساطير التوارڤ أن كل من يتسلق قمة الأسكرام سيحظى بفرصة ليعيش أكثر. في أعالي قمة أسكرام يتربع دير أسكرام الشهير والذي يشغله ثلاثة رهبان جاؤوا من دول مختلفة ليحظوا بخلوة طالما بحثوا عنها، يقول الأب إدوارد فوكو القادم من فرنسا، وهو أقدم راهب في المكان، إذ التحق بالدير سنة 1972 ولم يفارقه إلى يومنا هذا: ”هنا لا شيء يلهيني عن عبادة الرب، أشعر أني قريب من الله في هذا المكان، حيث تتجلى عظمة الخالق في الطبيعة التي تحيط بنا في مظاهر غضبها وجبروتها أحيانا ورأفتها أحيانا أخرى”، ويضيف الأب فوكو الذي قارب سنه القرن أنه لن يغادر الأسكرام أبدا، وأنه أوصى بأن يدفن في تمنراست، وأنه لن ينسى طيبة وتسامح التوارڤ الذين اعتبروه واحدا منهم. وعن زيارات السياح إلى المكان قال الأب إدوارد أنه شهد الكثير من التغيرات على مر السنوات، حيث كان المكان يغص بالسياح في فترة السبعينات والتمانينات لتنقطع الزيارات بشكل كلي في التسعينات، لتعود بعدها الزيارات بشكل يومي ودائم بداية من سنة 2000. أما خلال السنتين الماضيتين فشهدت حركة السياح تراجعا رهيبا وبقي الجزائريون وحدهم من يزور المكان بشكل متقطع.أسيهار موعد مع الركودلا يمكن للزائر لمدينة تمنراست أن يخلف موعدا مع سوق أسيهار الشعبي في وسط المدينة، وكلمة أسيهار تعني بلغة التوارڤ ”الموعد”، ويعتبر المكان موعدا حقيقيا لكل ما يمكن تخيله من منتوجات الحرف التقليدية الخاصة بالمنطقة، ومواد التجميل والعطور المغشوشة والبضائع المقلدة من ساعات ونظارات وهواتف نقالة، كما يعتبر السوق مكانا جيدا لزبائن الخلطات الشعبية والعقاقير، والفواكه الاستوائية التي يتم جلبها من الدول المجاورة كمالي والنيجر، ويجمع رواد السوق والعاملون به على حد السواء على حالة الركود الشديدة التي تجتاح تمنراست هذه الأيام، بعد تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود، مما قلل بشكل كبير من دخول بعض السلع التي اشتهرت بها المنطقة.تيڤنتورين والحرب في مالي يرهنان مستقبل تمنراست السياحي”إننا نعاني”، ”غلق باب رزقنا الوحيد” على الرغم من الإجراءات المتخذة مؤخرا لإنعاش السياحة في الجنوب كمنح تسهيلات التأشيرات، وتخفيض أسعار تذاكر السفر إلى النصف، غير أن الحاج محمد، صاحب الوكالة السياحية ”الغابة المتحجرة”، يؤكد أن هذه الإجراءات لم تعد بثمارها بعد، ولم تحقق النتائج المرجوة منها، حيث ما زال السياح غائبين ومازالت تمارس عليهم الكثير من الضغوطات لقبول ملفاتهم، ويستشهد صاحب الوكالة بالأوضاع التي عرفتها تمنراست قبل الحرب في مالي، حيث كانت تغص بوفود السياح القادمين من مختلف أنحاء العالم خصوصا في آخر السنة للاحتفال بأعياد الميلاد. لقد ساهم احتكاكنا بالسياح من فتح مناصب شغل لشباب المنطقة. كما مكن السكان المحليين من التفتح على حضارات وعقليات مختلفة. تركنا تمنراست وهي تستقبل السنة الجديدة على وقع غرقها في مشكلة الأوضاع الأمنية المتذبذبة وغياب السياح وتراجع مداخيل مادية هامة كان يوفرها القطاع. استعدادات استقبال السنة الجديدة وعلى الرغم من مسحة المرارة التي تعتلي أجواءها إلا أنها تحمل حسب سكانها أمالا كبيرة بتغير الأوضاع نحو الأحسن وباستعادة المنطقة للاهتمام الذي طالما حضت به.


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)