عرفت تلمسان لمدة سنة كاملة حركية ثقافية متواصلة، غيّرت المشهد الفني والثقافي بالولاية، وحتى الولايات المجاورة، بمناسبة تظاهرة ''عاصمة الثقافة الإسلامية''، خاصة بعد تدعيمها بمرافق وهياكل هامّة، احتضنت مختلف النشاطات، وتحوّلت بامتياز إلى المكان المفضل للعائلات التلمسانية ولجمهور المثقفين. لكن بعد أربعة أشهر، وبمجرد انقضاء التظاهرة، شهدت هذه المنجزات واقعا مغايرا، إذ هجرتها النّشاطات. فأي مستقبل لهذه المرافق، من قاعات ومراكز ومتاحف، كلّفت خزينة الدولة ملايير الدينارات؟
يقف الزائر إلى مدينة تلمسان، على حجم التغيير الذي طرأ عليها، بفضل إنجازات تظاهرة ''عاصمة الثقافة الإسلامية'' التي رصدت لها الجزائر غلافا ماليا ضخما، سخّرت اللّجنة التنفيذية بعضا منه لترميم بعض المواقع، وبعضها لإنجاز مشاريع جديدة، خاصة في المجال الثقافي، لإعطاء دفع قوي للمشهد الثقافي والفني في المدينة التي نامت لعهود. لكن، هل تكفي الإنجازات إن لم تكن هناك استراتيجية حقيقية للاستغلال؟ وهل استفادت تلمسان من مشاريع ضخمة لتبقى مقفلة أمام جمهورها المتعطش للفن والثقافة، بسبب انعدام النشاط الثقافي؟
يقول الدكتور عبد الوهاب باغلي، أحد الوجوه المهتمة بالفعل الثقافي والذين واكبوا معظم أنشطة تظاهرة ''تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية''، إنه لا يمكن إنكار الإضافة التي قدّمتها هذه المشاريع لمدينة تلمسان، مثل قصر الثقافة ومركز الدراسات الأندلسية ومتحف المدينة وقصر المشور وقصر المعارض، واصفا إياها ب''الإنجازات الضخمة التي لا يمكن تجسيدها إلا مرة في القرن على الأكثر''، مرجعا الفراغ الرهيب الذي تعرفه ليالي تلمسان إلى قضية البرمجة والتفعيل من قبل الوزارة الوصية. كما حمل أيضا المجتمع المدني مسؤولية هذا الجمود الثقافي، وعدم استغلال هذه المرافق التي ستواجه أيضا مشكلة الصيانة، إذا طال عمر إغلاقها ولم تفتح للجمهور. محدثنا قال إن العديد من العائلات التلمسانية وجدت ضالتها في هذا الفصل الحار في الحوض الكبير، المكان الذي يتجاوز عمره خمسة قرون، ولم يتم إنجازه بمناسبة التظاهرة، وإلا كان مصيره الغلق.
من جهته، اعتبر الفنان الحاج قاسم إبراهيم أن ما استفادت منه تلمسان من مرافق ثقافية إضافة هامة للزخم التراثي الذي تتوفر عليه المدينة، سواء كان ماديا أو غير مادي، ولكنه طرح أيضا مسألة الاستغلال لهذه المرافق، قائلا: ''أعلم أن مديرية الثقافة لها برنامج مسطر لشهر رمضان وبلدية تلمسان كذلك. ولكن للأسف، لم يستدع الفنانون الذين لهم جمهور كبير بتلمسان، رغم توفر الأمكنة وتعدّدها، مثل مسرح الهواء الطلق بالكدية، قصر الثقافة أو حتى فضاء صهريج أمبدة بالحوض الكبير''، مضيفا باستياء ''الجزائر هي البلد الوحيد الذي يجري فيه الفنان خلف المؤسسات الثقافية لانتزاع عقد العمل، بينما يحدث العكس في أغلب دول العالم''. وعكس الأغلبية من المثقفين والفنانين والمجتمع المدني بتلمسان التي ترى أن مستقبل هذه الهياكل غير محدّد، فيما يتعلق بتفعيل الساحة الثقافية محليا ووطنيا، فإن المدير الولائي للثقافة، الدكتور حكيم ميلود، يرى أن التظاهرة لم ترحل بعد، مشيرا إلى استمرار إشراف اللجنة التنفيذية لعاصمة الثقافة الإسلامية على معظم هذه الهياكل، في انتظار الانتهاء من إصدار المراسيم المنظمة لسير عملها، حيث توقع أن تكون هذه الهياكل مكسبا حقيقيا للفعل الثقافي بالولاية مستقبلا، مضيفا أن كيفية التفعيل وتسطير البرامج هي مسألة وقت فقط. وأوضح المدير الولائي للثقافة أن ما تتوفر عليه المدينة من مسارح ومتاحف وقاعات للعرض، سيمكّنها من إعطاء دفع كبير للحركية الثقافية بالولاية، مضيفا أن بعض هذه المرافق استضافت أنشطة ثقافية وسهرات رمضانية، مثل ركح قاعة عبد الكريم دالي بقصر الثقافة، ودار الثقافة عبد القادر علولة، ومسرح الهواء الطلق داخل قلعة المشور. لكن المتتبعين للمشهد الثقافي انتقدوا هذه الوضعية، وقالوا إن أنشطة جسد أغلبها هواة وجمعيات، ولم ترق إلى مصاف الأنشطة التي تليق بمرافق كلفت ملايير الدينارات.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : نور الدين بلهواري
المصدر : www.elkhabar.com