بقلم الأستاذ: حسين مغازي
في مقالته "الثورة الهادفة"، أشار عالم النفس، تورنس، المتخصص في الإبداع إلى أن الولايات المتحدة بدأت منذ ستينيات القرن الماضي ثورة خفية في أهداف التربية وطرائقها بتوظيفها الحل الإبداعي للمشكلات والتعبير الإبداعي، فيما أشار العالم الأميركي جيلفورد، إلى "أن صياغة طريقتنا في الحياة وضمان مستقبلنا يقومان على قدراتنا الإبداعية على وجه الخصوص"، وقبلهما أشار أرنولد توينبي، إلى أن الأفراد المبدعين هم المصادر الأساسية في المجتمع.
مكانة المبدعين غالبا ما تتراجع وتضمحل في زمن إدارة الرداءة وإدارة الرداءة عادة ما يكون أصحابها مصابين
بعمى الألوان فلا يرون إلا اللون الأسود، وهؤلاء يتميزون بقدرات عالية في تسلق المناصب بما يمتلكون من مواهب التملق والمداهنة، فهم مخلصون جدا أمام من يملك سلطان القانون إلى درجة الاستعباد، بعدما قتلوا كل صفات الجمال والذوق والأناقة وروح الإبداع في نفوسهم لم يبق نصب أعينهم سوى ذلك الكرسي الذي يضمن لهم تكسير عظام المخلصين والمبدعين والرقص على كل جماجم الجمال وأصحاب الذوق الراقي والإحساس النبيل.
المبدعون هم أولئك الذين يعشقون الحرية ولو كانت على الرصيف، هم أولئك الذين يرفضون المساحات الزمنية المغلقة لإنجاز أعمالهم، هم أولئك الذين لا يمتثلون للقوانين الجامدة القاتلة لكل مفاهيم الإبداع.
وقبل أن أتيه في مفاهيم الإبداع وخصومه تجدر بي العودة إلى صلب المقال، فقد شدّني عمل أحد زملائي في فضاء التربية ذلك العمل الجبار المتقن والأنيق، وقد كانت لي ثرثرة جانبية مع أحد أعمدة التربية بولاية بسكرة عن ظاهرة تمهيش الإبداع في الولاية وهو إبداع أقل ما يقال عنه أنه " المهم "، والحوار كان يدور حول مدرسة زميلنا المبدع مدير مدرسة الشهيدين الأخوين " رغيس عبد الرزاق ومحمد "، السيد: " لعلالي لقمان "، وعن سرّ هذا الصمت الرهيب من قبل مديرية التربية للولاية، وهل كل هذا العمل المتقن والأنيق من قبل مدير المدرسة لا يستحق حتى كلمة شكر !!.. فما كان من صديقي السيد المفتش إلا أن أجاب أنه لو تكلم لأزعج بكلامه الكثير ممن لا يستحق أن يكون مجبرا حتى على الردّ عليهم لأنه لا يريد أن يختلط بمفردات الرداءة ولو من بعيد.
هنا قد يتساءل البعض ماذا فعل هذا المدير وماذا أنجز من إبداع، والحقيقة أنه ليس من رأى كمن سمع، فالرجل منذ أن استلم إدارة مدرسته سنة 2003 لا تزال تحقق أعلى نسب النجاح بالولاية إلى اليوم متقاسما العناء والتعب مع فريقه التربوي المبدع أيضا، حوّلها إلى جنة خضرا تتلألأ بكل الألوان الزاهية حتى صارت محجا لكل زائر سواء داخل الولاية أو خارجها، وقد كان مديرو التربية السابقون يستحسنون الاجتماعات فيها، ويحولون كل الشخصيات الوطنية والدولية لزيارتها كتحفة من تحف " لشبونة "، زارتها العديد من الوفود الدولية متمثلة في ممثلة التربية في هيئة اليونيسكو وشخصيات وباحثين في شتى الميادين وخاصة ميدان التربية. كانت محط زيارة للعديد من الوزراء من بينهم، وزير التربية السابق السيد " بن بوزيد ".
السيد " لقمان لعلالي مدير المدرسة " يعتبر أحد الفنانين القلائل في التربية التشكيلية والزخرفة والتلوين و أحد العارفين بدهاليز الإشراف التربوي، يملك موهبة ربانية في فن الزينة والفن التشكيلي، يملك أيضا لمسات سحرية من الجمال حوّلت من مدرسته تحفة حقيقية، المدرسة الوحيدة التي أنشأ بها حديقة منفردة للحيوانات التي تدخل في صميم المنهاج التربوي، المشاهد الطبيعية التي يلصقها المعلمون على جدران الأقسام ممنوعة ومنعدمة بالمدرسة وقد عوضها المديرالسيد المدير بمشاهد طبيعية في كل أرجاء ساحة المدرسة تغني التلاميذ عن كل تساؤلاتهم، نادرا من المديرين من يتقن فنّ إدارة العلاقات العامة، لكن السيد " لقمان " بما حباه الله من " كاريزمة نادرة" امتلك معها فن إدارة العلاقات مع المحيط، فالعديد من رجال الأعمال يطلبون خدمات للمدرسة وأنهم رهن إشارته، ولهذا فحين تدخل ساحة المدرسة يستقبلك مشهد الأطفال وهم يلعبون داخل الأبراج البلاستيكية التي لا تتوفر إلا في الحدائق الكبرى.
الحديث يطول عن إنجازات السيد المدير، والأهم هو تسليط الضوء عن كل هذا الصمت الرهيب تجاه كل هذه الإنجازات الفردية، ولمن لا يعلم فإن كل هذه الإنجازات لم تكن مطلقا من أموال رسمية بل كانت على حساب السيد المدير شخصيا ومن قبل الغيورين على التربية بولاية بسكرة مشكورين.
إنني حين أذكر هذا المثل أذكره مما يمليه عليّ واجب الضمير الإنساني والأخلاقي والمهني، فنبتة الخير إذا لم تسق سيكون مصيرها الموت، وكلمات الشكر للمحسنين تزيد من إصرارهم على العطاء وتشحن عزائمهم على الاستمرار في الارتقاء، وليس أكبر جريمة أن تكون سببا في موت فكرة لا يزالها صاحبها حيا يرزق، وقبل كل ذلك فقد حثنا ديننا الحنيف عن ذكر فضل المحسنين، قال تعالى " ولا تنسوا الفضل بينكم ".
ولهذا فقد آن الأوان لتلتف أيادي المخلصين وترتفع أصوات الصادقين معلنين بفشلكم بهدوء لأن القلوب العامرة بحب الوطن والعقول المسلحة بالفكر المستنير تنتظر بشوق استلام زمام المسؤولية لتعيد للعمل قيمته وللإبداع بياضه وللجزائر رونقها الذي يليق بها.
وأدعو في الأخير إلى اعتماد هيئة تربوية من الفاعلين في الحقل التربوي ليصل عبرها صوت ورسالة كل الطاقات المعطلة لترسم مستقبل الجزائر الجميل.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : الحوار
المصدر : www.elhiwaronline.com