الجزائر - Algérie-Suède

قبل أربعين عامًا: اغتيال أولوف بالمه… صديق الثورة الجزائرية وصوت العدالة العالمية



قبل أربعين عامًا: اغتيال أولوف بالمه… صديق الثورة الجزائرية وصوت العدالة العالمية

في الثامن والعشرين من فيفري عام 1986، شهدت العاصمة السويدية ستوكهولم حادثة هزّت أوروبا والعالم، حين اغتيل رئيس الوزراء السويدي أولوف بالمه برصاصات أطلقت عليه في أحد شوارع المدينة، بعد خروجه من السينما رفقة زوجته، دون مرافقة أمنية. كان الحدث صدمة وطنية عميقة للسويد، التي عُرفت باستقرارها وأمنها، كما أثار موجة تساؤلات دولية ما تزال أصداؤها قائمة إلى اليوم.

لم يكن أولوف بالمه مجرد رئيس حكومة، بل كان شخصية سياسية استثنائية طبعت مرحلة كاملة من تاريخ أوروبا خلال الحرب الباردة، واشتهرت بمواقفها الجريئة الداعمة لقضايا التحرر والعدالة الدولية، وفي مقدمتها الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية.


صديق الثورة الجزائرية وداعم حق الشعوب في تقرير مصيرها

منذ شبابه السياسي داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي، عبّر بالمه عن رفضه الصريح للاستعمار، واعتبر أن حق الشعوب في تقرير مصيرها مبدأ غير قابل للمساومة. وخلال حرب التحرير الجزائرية (1954–1962)، اتخذ مواقف متعاطفة مع نضال الشعب الجزائري، في وقت كانت فيه أصوات أوروبية كثيرة إما صامتة أو متحفظة.

بعد استقلال الجزائر، استمرت علاقاته الإيجابية مع الدولة الجزائرية، في إطار رؤية أوسع تقوم على التضامن بين الشمال والجنوب، ودعم مسار التنمية في الدول الخارجة من الاستعمار. وقد انسجمت رؤيته مع الطرح الجزائري داخل حركة عدم الانحياز، خاصة فيما يتعلق بالدفاع عن السيادة الوطنية وبناء نظام اقتصادي دولي أكثر عدلاً.


دفاعه الصريح عن القضية الفلسطينية

تميّز أولوف بالمه بجرأة موقفه من القضية الفلسطينية في مرحلة كانت فيها أغلب الحكومات الغربية تتحاشى الخوض في أبعادها السياسية. فقد شدّد على أن الصراع في الشرق الأوسط لا يمكن فهمه دون الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في أرضه وهويته وحقه في تقرير مصيره.

دعا إلى تسوية سلمية قائمة على الاعتراف المتبادل والتعايش، مؤكّدًا أن السلام الدائم لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالعدالة والشرعية الدولية. كما انتقد سياسات الاحتلال والانتهاكات ضد المدنيين، مع تأكيده في الوقت نفسه على حق جميع الأطراف في الأمن.

هذا الموقف منحه مكانة خاصة في الوجدان العربي، لكنه في المقابل جعله عرضة لانتقادات وضغوط سياسية من أطراف دولية نافذة.


مواقف مستقلة في زمن الاستقطاب

لم تقتصر مواقف بالمه على الجزائر وفلسطين، بل اشتهر عالميًا بانتقاده الحاد للحرب الأمريكية في فيتنام، وبتنديده الصريح بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، حيث دعم حركات التحرر هناك سياسيًا ومعنويًا. كما كان من أبرز الداعين إلى نزع السلاح النووي خلال ذروة الحرب الباردة، محذرًا من مخاطر سباق التسلح على مستقبل الإنسانية.

مثّل بالمه نموذجًا لزعيم أوروبي اختار استقلالية القرار، وفضّل الانحياز للمبادئ حتى عندما كلّفه ذلك توترًا في العلاقات مع قوى كبرى.


الاغتيال… جريمة غامضة تهزّ السويد

في تلك الليلة الشتوية من عام 1986، أُطلق النار على بالمه في وسط ستوكهولم، فسقط قتيلًا في مشهد غير مسبوق في التاريخ السياسي السويدي الحديث. عدم وجود حراسة أمنية مشددة حوله عكس طبيعة المجتمع السويدي آنذاك، لكنه زاد من وقع الصدمة بعد الحادثة.

باشرت السلطات تحقيقًا موسعًا استمر عقودًا، واعتُبر من أطول وأعقد التحقيقات الجنائية في أوروبا. وتعددت الفرضيات حول الجهة المسؤولة، من احتمال تورط جماعات يمينية متطرفة داخل السويد، إلى فرضيات ذات بعد دولي مرتبطة بمواقفه المناهضة للفصل العنصري أو بانتقاداته لسياسات بعض القوى الكبرى.

في عام 2020، أعلنت النيابة العامة السويدية أنها تعتبر أحد المشتبه فيهم المتوفين المسؤول المرجّح عن الجريمة، وأُغلق الملف لعدم إمكانية محاكمته. غير أن غياب محاكمة قضائية واعتراف صريح أبقى الشكوك قائمة لدى شريحة من الرأي العام.


مناطق الظل والأسئلة المفتوحة

بعد مرور أربعة عقود، ما تزال تساؤلات عدة مطروحة:

  • هل كانت الجريمة فعلًا فرديًا أم أن خلفها دوافع سياسية أعمق؟

  • هل استُنفدت جميع المسارات الدولية المحتملة في التحقيق؟

  • إلى أي مدى أثّرت الأخطاء الأولى في مسار التحريات على كشف الحقيقة كاملة؟

هذا الغموض المستمر جعل اغتيال بالمه يتجاوز كونه حادثة جنائية، ليصبح رمزًا لتعقيدات السياسة الدولية في أواخر الحرب الباردة.


إرث سياسي يتجاوز حدود السويد

رغم نهايته المأساوية، بقي أولوف بالمه في الذاكرة السياسية رمزًا للالتزام الأخلاقي في العمل العام. بالنسبة للجزائر، يُستحضر اسمه كأحد الأصوات الأوروبية التي ساندت مبكرًا شرعية نضالها التحرري. وبالنسبة للقضية الفلسطينية، مثّل نموذجًا لزعيم غربي دعا بوضوح إلى العدالة والاعتراف بالحقوق الوطنية.

إن استذكار اغتياله بعد أربعين عامًا ليس مجرد استرجاع لحدث تاريخي، بل هو إعادة طرح لسؤال جوهري: هل يمكن للسياسة الدولية أن تُدار وفق المبادئ والعدالة، أم أن موازين القوة تظل هي الحَكَم الأخير؟



سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)