الجزائر - A la une

عمي الطاهر المثقف المبدع و رجل المواقف الرجولية الجاحظية تحي الذكرى الأولى لرحيله


عمي الطاهر المثقف المبدع و رجل المواقف الرجولية الجاحظية تحي الذكرى الأولى لرحيله
أحيت سهرة أمس الخميس الجمعية الثقافية الجاحظية بالمركز الثقافي عز الدين مجوبي بالجزائر العاصمة الذكرى الأولى لرحيل الروائي و الرئيس السابق لذات الجمعية الطاهر وطار.
و قد حضر اللقاء أصدقاء الراحل من أدباء و كتاب و ممثلين عن بعض الأحزاب السياسية بالإضافة إلى رئيس المجلس الشعبي البلدي لبلدية سيدي محمد مختار بوروينة. و قد أثنى الحضور عن مناقب الأديب و إسهاماته في عالم الأدب والثقافة بالإضافة إلى حكمته و حنكته في تسيير جمعية الجاحظية التي تركها بمثابة "إرث لكل منتمي لها و لكل أديب و كاتب جزائري".
و بالمناسبة أوضح الأستاذ محمد التين الرئيس الجديد للجمعية أن هذه الأخيرة تعد بمثابة "تراث يجب المحافظة عليه وفق مبدأ —لا إكراه في الرأي— و مبدأ أيضا الحفاظ على استراتيجيتها دون تبعيتها لأي منهج سياسي أو إيديولوجي أو أي وصاية إدارية". و أفاد أن الجمعية ستنظم نهاية أكتوبر أو بداية نوفمبر القادم ملتقا دوليا حول أعمال الروائي الراحل الطاهر وطار. و يشار إلى أن الروائي الطاهر وطار كان قد توفي في 12 أوت 2010 إثر مرض عضال عن عمر ناهز 74 سنة.
و قد ألف الأديب الراحل عديد الروايات و القصص ترجمت من العربية إلى عدة لغات منها على وجه الخصوص "اللاز" و "عرس بغل" و "الزلزال" و "الشهداء يعودون هذا الأسبوع" و غيرها. ولد الفقيد سنة 1936 بسدراته (ولاية سوق اهراس) تتلمذ بالزيتونية ثم التحق بمدرسة جمعية العلماء المسلمين التي كان من أنجب تلاميذها. بدأ مشواره في الأدب سنة 1955 من خلال نشره قصصا في الصحافة التونسية. نشر أول رواية له سنة 1971 تحت عنوان "اللاز" التي عرفت نجاحا كبيرا.
ويزخر مشوار الراحل بالعديد من الإنجازات منها تأسيس جمعية الجاحظية سنة 1989 وكان في الفترة الأخيرة يتابع نشاطها رغم حالته الصحية. أسس عدة جوائز منها جائزة مفدي زكريا التي كانت في البداية جائزة وطنية ثم تحولت إلى جائزة مغاربية. وقد حول عدد من مؤلفاته الروائية والادبية إلى سيناريوهات لأفلام ومسلسلات تلفزيونية ومسرحيات.
الجدير بالذكر ان الفقيد الطاهر وطار كان قد عين مدير عاما للإذاعة الوطنية كما اشتغل صحفيا في عدة عناوين باللغة العربية. وقد فاز الأديب الراحل مناصفة سنة 2005 مع الأكاديمي الفرنسي ميشال لاغارد بجائزة الشارقة للثقافة العربية التي تمنحها منظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم و الثقافة (يونسكو) إلى جانب حصوله على جائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية (2008-2009) بدبي.
مرت سنة إذن على رحيل الروائي الكبير الطاهر وطار الذي غادر الساحة الثقافية مخلفا فراغا رهيبا يشعر به كل من عرف الرجل أو كان شاهدا على نشاطه الدؤوب والمتواصل في جمعية الجاحظية التي سجلت على مدى 20 عاما حضورا كبيرا لاسيما خلال العشرية الدامية التي سجلت هروب الكثير من المثقفين أو تقوقعهم في أبراجهم العاجية ، فكانت الأمسيات الشعرية والندوات الفكرية تتحدى لغة الرصاص والموت بفضل صبر عمي الطاهر وقدرته الكبيرة على التحدي وحلمه في أن يرى هذا الصرح الثقافي شامخا شموخ وطن لاينحني أبدا .
رجل المواقف والسجالات التي لا تنتهي، هكذا كان الروائي الطاهر وطار صريحا و شجاعا في مواقفه ، لايخشى لومة لائم وهو يبدي رأيه، لا تفارقه النكتة، يملك حدس المثقف المبدع والسياسي المحنك رغم أنه كان شكليا بعيدا عن السياسة، لطالما أكد صاحب الزلزال أن همه الأساسي هو الوصول إلى الحد الأقصى الذي يمكن أن تبلغه البرجوازية في التضحية بصفتها قائدة التغييرات الكبرى في العالم وأنه في حد ذاته التراث وبقدر ما يحضره بابلو نيرودا يحضره المتنبي أو الشنفرى، ومن المقولات الشهيرة لعمي الطاهر :" أنا مشرقي لي طقوسي في كل مجالات الحياة.. معتقدات المؤمنين ينبغي أن تحترم"،"كنت أغضب بالشاوية وأكتب باللغة العربية"
استطاع عمي الطاهر أن يجعل من جمعية الجاحظية التي أسسها نهاية الثمانينات صرحا ثقافيا عبر نشاطاتها المتواصلة وكان همه تشجيع المبدعين الشباب ففتح لهم منابر الجاحظية عبر أمسيات إبداعية أماطت اللثام عن الكثير من الأسماء الجديدة التي أصبح لها شأن في الإبداع والكتابة ،أسس جائزة مفدي زكريا للشعر المغاربي التي أصبحت فيما بعد جائزة عربية ، وجائزة الهاشمي سعيداني للرواية ،وحتى عندما كان على فراش المرض بقي متابعا لنشاط الجمعية من باريس عبر المكالمات الهاتفية .
وكان آخر لقاء جمعه بمحبيه قبل أيام من وفاته ذلك الذي نظمه الديوان الوطني للثقافة والإعلام احتفاء بصدور روايته "قصيد في التذلل" وفرحا بعودته من رحلة العلاج حيث تحدث عمي الطاهر الذي بدت ملامح التعب على وجهه عن ظروف كتابة الرواية ورأيه في بعض القضايا المرتبطة بالراهن الثقافي الجزائري حيث أكد أن الرواية تعالج هما يعانيه منذ زمن وهو علاقة المثقف بالسلطة ، وقال إنه عاش زمنا من تاريخ الجزائر عايش فيه وضعية المثقف الذي كان في طليعة النضال منذ ابن باديس وشباح المكي الذي نفي بسبب مسرحية أنجزها إلى بسكرة وهناك عانى ونقل إلى أولاد جلال مربوطا بحبل وراء حصان وكان يتغذى يوميا بحبات التمر مرورا بالستينيات حيث ألف الجنيدي في "انتظار نوفمبر جديد ".
مسار حافل بالإبداع والعطاء
الروائي الطاهر وطار الذي ولد يوم 15 أوت 1936 بسوق أهراس في بيئة ريفية وأسرة أمازيغية تنتمي إلى عرش الحراكتة كان الابن المدلل للأسرة الكبيرة التي يشرف عليها الجد المتزوج بأربع نساء أنجبت كل واحدة منهن عدة رجال لهم نساء وأولاد أيضا، كان لجده دور كبير في نشأته وتكوينه الثقافي والإجتماعي حيث كان هذا الجد الأمي ذو حضور اجتماعي قوي فهو الحاج الذي يقصده كل عابر سبيل حيث يجد المأوى والأكل, وهو كبير العرش الذي يحتكم عنده, وهو المعارض الدائم لممثلي السلطة الفرنسية, وهو الذي فتح كتابا لتعليم القرآن الكريم بالمجان, وهو الذي يوقد النار في رمضان إيذانا بحلول ساعة الإفطار, لمن لا يبلغهم صوت الحفيد المؤذن. يقول الطاهر وطار, إنه ورث عن جده الكرم والأنفة, وورث عن أبيه الزهد والقناعة والتواضع, وورث عن أمه الطموح والحساسية المرهفة, وورث عن خاله الذي بدد تركة أبيه الكبيرة في الأعراس والزهو الفن. تنقل الطاهر مع أبيه بحكم وضيفته البسيطة في عدة مناطق حتى استقر المقام بقرية مداوروش التي لم تكن تبعد عن مسقط الرأس بأكثر من 20 كلم. هناك اكتشف مجتمعا آخر غريبا في لباسه وغريبا في لسانه, وفي كل حياته, فاستغرق في التأمل وهو يتعلم أو يعلم القرآن الكريم، التحق بمدرسة جمعية العلماء التي فتحت في 1950 فكان من ضمن تلاميذها النجباء. أرسله أبوه إلى قسنطينة ليتفقه في معهد الإمام عبد الحميد بن باديس في 1952. انتبه إلى أن هناك ثقافة أخرى موازية للفقه ولعلوم الشريعة, هي الأدب, فالتهم في أقل من سنة ما وصله من كتب جبران خليل جبران ومخائيل نعيمة, وزكي مبارك وطه حسين والرافعي وألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، راسل مدارس في مصر فتعلم الصحافة والسينما, في مطلع الخمسينات. التحق بتونس في مغامرة شخصية في 1954 حيث درس قليلا في جامع الزيتونة. في 1956 انضم إلى جبهة التحرير الوطني وظل يعمل في صفوفها حتى 1984. تعرف عام 1955على أدب جديد هو أدب السرد الملحمي, فالتهم الروايات والقصص والمسرحيات العربية والعالمية المترجمة, فنشر القصص في جريدة الصباح وجريدة العمل وفي أسبوعية لواء البرلمان التونسي وأسبوعية النداء ومجلة الفكر التونسية، استهواه الفكر الماركسي فاعتنقه, وظل يخفيه عن جبهة التحرير الوطني, رغم أنه يكتب في إطاره.
عمل الطاهر وطار في الصحافة التونسية: لواء البرلمان التونسي والنداء التي شارك في تأسيسها وعمل في يومية الصباح، وتعلم فن الطباعة،أسس في 1962 أسبوعية الأحرار بمدينة قسنطينة وهي أول أسبوعية في الجزائر المستقلة،أسس في 1963 أسبوعية الجماهير بالجزائر العاصمة أوقفتها السلطة بدورها،في 1973 أسس أسبوعية الشعب الثقافي وهي تابعة لجريدة الشعب.
عمل وطار من 1963 إلى 1984 بحزب جبهة التحرير الوطني عضوا في اللجنة الوطنية للإعلام مع شخصيات مثل محمد حربي, ثم مراقبا وطنيا حتى أحيل على المعاش وهو في سن 47. شغل منصب مدير عام للإذاعة الجزائرية ، كرس حياته للعمل الثقافي التطوعي وهو يرأس ويسير الجمعية الثقافية الجاحظية منذ 1989 وقبلها كان قد حول بيته إلى منتدى يلتقي فيه المثقفون كل شهر، ألف الروائي الطاهر وطار عدد كبير من الروايات والمجموعات القصصية بالإضافة إلى المسرحيات ومن أعماله :"الشهداء يعودون هذا الأسبوع"، "اللاز" ، "الزلزال"،"الطعنات" ،"دخان من قلبي"، " عرس بغل" ،" الحوات والقصر" ،"العشق والموت في الزمن الحراشي" ،"الشمعة والدهاليز"،"الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي"، "الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء"،ورواية قصيد في التذلل آخر عمل للروائي الطاهر وطار وقد كتب جزءا كبيرا منها وهو على فراش المرض .
ترجمت أعمال الروائي الطاهر وطار إلى عدة لغات وحول عدد من رواياته إلى أفلام ومن ذلك قصة نوة التي حولت إلى فيلم من إنتاج التلفزة الزائرية تحثل على جوائز وقصة الشهداء يعودون هذا الأسبوع التي حولت إلى مسرحية نالت الجائزة الأولى في مهرجان قرطاج، فيما مثلت مسرحية الهارب في كل من المغرب وتونس ،وتدرس أعمال الطاهر وطار في مختلف الجامعات في العالم وتعد عليها رسائل عديدة لجميع المستويات
نال الروائي الطاهر وطار عام 2005 جائزة الشارقة لخدمة الثقافة العربية عن جدارة واستحقاق نظير أعماله المتميزة التي أثرى بها المكتبة العربية والحضور الكبير لجمعية الجاحظية في المشهد الثقافي الجزائري والعربي من خلال نشاطاتها المكثفة والجوائز التي أسستها الجمعية في الشعر والرواية .

سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)