عبد الله بن محمد بن أحمد الشريف التلمساني الحسني الإمام العلامة المحقق الحافظ الجليل المتقن ابن الإمام العلامة الحجة النظار الإمام أبي عبد الله الشريف، إمام بلا مدافع، كان صاحب الترجمة من أكابر العلماء تلمسان و محققيهم كابيهن وقال بعض من عرف به و أبيه و أخيه في جزء.
و لد سنة ثمان و اربعة و سبع مئة (748)، فنشأ على عفة و صيانة و جد، مرضي الأخلاق، محمود الأحوال، موصوفا بنبيل و فهم و حذق و حرص على طلب العلم، و كان والده قد بشر به في النوم، رأى قائلا يقو له: يزداد عندك و لد عالم، لا تموت حتى تراه يقرئ العلم، فكان كذلك قرأ القرآن على الأستاذ النحوي أبي عبد الله بن زيد بفاس، وأبوه بها حينئذن و كان الأستاذ يقرئ أولا الشرفاء و العظماء لعلو قدره في النحو و القراءة، وظهرت حينئذ نجابته، و حفظ القرآن و "جمل الزجاجي" و "ألفية ابن مالك" و قرأ على الفقيه النحوي الأستاذ الصالح ابن حياتي " الجمل"، و "المقرب" ثم جملة صالحة من "كتاب سيبويه"، و "التسهيل"، و انتفع به و اعتمد عليه، و على الخطيب ابن مرزوق جملة من البخاري، و على الفقيه أبي عمران العبدوسي جملة من "المدونة" و على الفقيه الصالح أحمد القباب "التلقين" و "الرسالة" و قصيدة الكفيف" في أصول الدين ، وحضر على الشيخ الفقيه الحسن الونشريسي و الشيخ الصالح أبي العباس الشماع فرعى ابن الحاجب، و على القاضي العباس أحمد بن الحسن "الموطأ" تفقها و "التهذيب" و ابن الحاجب الفرعي، ثم أقبل أبوه عليه و قد كمل تهيئة لقبول الحقائق و فهم الدقائق، فقرأ عليه في أصول "الاقتصاد في الاعتقاد" للغزالي، و "محصل الفخر" و بعض كتاب النجاة لابن سينا، و " المقصاد للغزالي، و "مختصر ابن الحاجب" و تأليفه المسمى "مفتاح الصول في بناء الفروع على الصول": و في البيان "الايضاح" و "التلخيص"، و في الجدل كتاب "المقترح" للبيرون، و في الهندسة، كتاب "اقليدس" و في المنطق "جمل الخونجي" مرارا و "المطالع" للسراج الأرمدي، و في التصوف "ميزان الغزالي" و سمع منه أكثر "الصحيحين" رواية، و "الأحكام الصغرى" لعبد الحق فقها و سماعا، و "سيرة ابن اسحاق" و "الشفا" سماعا و حضر عليه في التفسير من سورة النحل إلى الختم، و من أوله إلى قوله تعالى:{يستبشرون بنعمة من الله و فضل}، وقرأ عليه التفسير ايضا فاشتغل بكثير من هذه العلوم حياة أبيه الإمام و درس قرأ العربية زمانا طويلا و انتفع به كثيرا، و ختم إقراء "الرسالة" في حياة أبيه، وكان من طلبة أبيه أهل فهم و حفظ و دراية فإذا بحثو في شيء أمرهم بالتقييد فيه و يحضر مجلسه كبار الفقهاء، فصدرت منه أجوبة شهدوا بصوابها و حسنها حتى يقوم بعض الشيوخ فيقبل بين عينيه، ثم جلس مجلس أبيه بعد موته، و حضره من يحضر آباه، و لم يشق عليه أحد منهم فجرى على مذهبه نظرا و نقلا و تحقيقا، و اعترفوا بتقديمه حتى كان القاضي علي ابو الحسن المغربي يقول: انتفعت به في أصول الفقه أكثر من أبيه لحين تقريبه و بسطه، ثم نقل للجمع الأعظم فأقرأ أحكام عبد الحق، و فرعي ابن الحاجب و يحضر، طلبة الفان وشأنهم حفظ مسائل و النقل على عادتهم خلاف عادة التلمسانيين، فيحضره جميعهم فيوفي لكل طريقه.
حدث الفقيه العدل محمد بن صالح الفاسي أنه كان و جماعة من اصحابه يختبرون حفظه و صحة نقله، فيأتون بالكتب التي ينقل منها و ينظرونها حين نقله عنها، فلا يغير منها حرفافاعترفوا بحفظه و تحقيقه، ثم بعد نقله يرجح و يوجه لشدة ذكائه، حتى علم الفقيه أبو القاسم بن رضوان رئيس كتبة المغرب حالهن فذكره للسلطان عبد العزيز و يبين له علو قدر، فوفر له في جرايته من غير سعي فيه، فكان يكثر في إقرائه النقل، و يحقق الفقه تحقيقا بالغا و في الصيف يقرأ في العلم العقلية من أصول و بيان و عربية و غيرها، يقطع نهاره كله فيه بلا فتور، و كان الطلبة يقسمون الوقت بالرملية، حتى لم يكن بالمغرب أكثر اجتهادا منه في الإقراء و انتفاع الطلبة، و ارتحلوا إليه من الأفاق.
و قال الشيخ الفقيه الصالح الزاهد الورع أبو العباس أحمد بن موسى البجائي و كان ممن رحل إليه و أخذ عنه علما جما: لا يوجد اليوم من يرحل عن هذا البلد إليه مثل شيخنا أبي محمد في غزارة العلم، و سهولة الإلقاء، و خفض الجناح، وكان يثني عليه ثناء عظيما، ويذكر أنه لم يجد شفاء علته في العلم في العلم إلا عنده، و تبرز صدرا من صدور العلماء الأئمة، حافظا للمسائل بصيرابالفتاوي و الأحطام و النوازل، حويا خالط النحو دمه حافظا للغة و الغريب و الشعر و المثل، وأخبار العلماء و مذاهب الفرق، مشاركا في جميع العلوم، حسن المجلس، عذب الكلام، فصيحا مليح المنطق، محسنا لرحمه، مشفقا على الطلبة، متثبتا في الفتوى متحريا فيها، و لما وقف القاضي أبو عثمان العقباني على جوابه عن سؤال البجائيين في مسألة أصول الدين، كتب تحته: شرح الله صدرك، و رفع من أهل العلم قدرك، و السلام. اهـ ما ذكره صاحب التقييد المذكور ملخصا.
قلت: ثم رحل و دخل غرناطة من الأندلس، و أقرأ هناك، و توفي إثر انصرافه من مقالة غريقا في البحر قاصدا بلده تلمسان في سفر سنة اثنين و تسعين و سبع مئة (792)، هكذا ذكر و فاته تلميذه الإمام أبو الفضل ابن مرزوق الحفيدن وعمره نحو خمسة و أربعين سنة و أخذ عنه بالأندلس القاضي أبو بكر ابن عاصم و غيره.
و قال الشيخ محمد بن العباس: كان الشريف أبو محمد هذا فقيها عالما حافظا راوية متبحرا آخر الحفاظ في الفتوى العلية، ذا نفس طاهرة زكية، شيخ شيوخنا اهـ.
و نقل عنه في "المعيار" فتاوي: قال الإمام ابن مرزوق: جمع شيخنا الإمام العلامة أبو محمد الشريف، وقد سئل في مجلس تفسيره و هو يفسر قوله تعالى: {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا} عن حكمة ذكر الذهب دون الياقوت و نحوه مما هو أرفع قيمة من الذهب، لأن القصد المبالغة في عدم ما يتقبل من الكافرفي الفداء، فأجاب بأنه إنما عظمت قيمة ما ذكر لأنه يباع بذهب كثير، فإذا المقصود الذهب، وغيره و سيلة إليه، قال ابن مرزوق: و هذا غاية في الحسن، ومثل هذا كانت أجوبته على المسائل بديهة رحمه الله تعالى.
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : soufisafi
المصدر : تعريف الخلف برجال السلف