الجزائر

رمضان وتربية الأولاد

رمضان وتربية الأولاد
إن رمضان شهرُ التربية، وشهر المحاسبة، وشهر المراجعة.فالمؤمن يربي نفسه في رمضان، ويربي من تحت يده على الفضائل، ويحاسب نفسه، ويراجع حاله مع ربه، ومع الأمانات التي ائتمنه الله عليها.وإن من أهم المهمات، وأوجب الواجبات على المؤمن رعايتَه لأولاده، وتربيتَه لهم.وهذا الشهر الكريم فرصةٌ سانحة يقف الإنسان فيها مع نفسه، وينظر في حاله مع أولاده، فإن كان محسنًا حمد الله، وازداد إحسانًا، وإن كان مقصرًا نزع عن تقصيره، وتدارك ما فاته.والحديث هاهنا سيكون حول تربية الأولاد، ومظاهر التقصير فيها، والسبل المعينة على تربيتهم.أخي الكريم الأولاد أمانة في أعناق الوالدين، والوالدان مسؤولان عن تلك الأمانة، قال الله-سبحانه وتعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} .وقال النبي-صلى الله عليه وسلم-: ”كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته” . رواه البخاري.وقال: ”ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة” . متفق عليه.فالبيت هو المدرسة الأولى للأولاد؛ فالولد قبل تربيه المدرسة أو المجتمع يربيه البيت والأسرة.وهو مدين لأبويه في سلوكه الاجتماعي المستقيم، كما أن أبويه مسؤولان إلى حدٍّ كبيرٍ عن انحرافه الخُلقي.قال أحد العلماء: ”وكم ممن أشقى ولده، وفِلْذَة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وتركِ تأديبه، وإعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه؛ ففاته انتفاعُه بولده، وفوَّت عليه حظَّه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قِبل الآباء”.إنَّ التقصير في تربية الأولاد يأخذ صورًا شتى، ومظاهر عديدة؛ تتسبب في انحراف الأولاد وتمردهم، وإذا تأملت تلك الأنماط الخاطئة في التربية رأيتها ما بين إفراط وتفريط.فمن الأخطاء في تربية الأولاد: تنشئتُهم على الجبن والهلع والخوف والفزع؛ فذلك يلاحظ على كثير من الناس؛ فتجدهم يخوفون أولادهم إذا بكوا أو أزعجوا؛ ليسكتوا، ويهدأوا؛ فتجد بعض الناس يخوفهم بالغول، أو الحرامي، أو العفريت، أو صوت الريح أو نحو ذلك.وبعض الناس يخوفهم بالأستاذ، أو الطبيب أو المدرسة.وإذا جرح الولد أو أصيب بأي مصيبة أخذت الأم تولول، وَتَلطِمُ وجهها، وتضرب صدرها، وهكذا ينشأ الولد جبانًا رِعديدًا يَفْرَقُ من ظله، ويخاف مما لا يخاف منه.ومن الخطأ في التربية -أيضًا- تربيةُ الأولاد على التهور، وسلاطةِ اللسان، والتطاول على الآخرين، وتسميةِ ذلك شجاعةً، وهذا نقيض الأول، والحق إنما هو في التوسط.ومن الخطأ في التربية: تربية الأولاد على الميوعة، والفوضى، وتعويدهم على البذخ، والترف، والإغراق في النعيم، وبسط اليد لهم، وإعطائهم ما يريدون.فمثل هذه التربية تفسد فطرتهم، وتقضي على استقامتهم، ومروءتهم، وشجاعتهم.وفي مقابل ذلك نجد من الوالدين من يأخذ أولاده بالشدة المتناهية، فتراه يقسو عليهم أكثر من اللازم، فيضربهم ضربًا مبرِّحًا إذا أخطأ ولو للمرة الأولى، ويبالغ في توبيخهم عند كل صغيرة وكبيرة، ويحرمهم من العطف والشفقة والحنان، ويقتِّر عليهم في النفقة؛ فلا ينفق عليهم إلا بشق الأنفس.وهذا النمط من التربية يفسد الأولاد، ويقضي على إنسانيتهم، ويقودهم إلى البحث عن المال أو العطف خارج المنزل إما: بالسرقة، أو بسؤال الناس، أو الارتماء في أحضان رفقة السوء.ومن الأخطاء في التربية: أن يقتصر اهتمام بعض الوالدين على المظاهر فحسب؛ فيرى أن التربيةَ مقتصرةٌ على توفير الطعام الطيب، والشراب الهنيء، والكسوة الفخمة، والدراسة المتفوقة، ولا يدخل عندهم تنشئةُ الأولاد على الأخلاق الكريمة.ومن الأخطاء في التربية: المبالغةُ في إحسان الظن بالأولاد؛ فتجد من الوالدين مَن لا يتفقَّد أولادَه، ولا يعرف عن أحوالهم، ولا أصحابهم شيئًا، وتراه لا يقبل بهم عذلًا، ولا عدلًا، ولا صرفًا، وذلك لفرط ثقته بأولاده، بل ربما دافع عنهم إذا شكاهم أحدٌ إليه.وفي مقابل ذلك تجد من يبالغ في إساءة الظن بأولاده؛ فتراه يتهم نياتِهم، ولا يثق بهم البتة، ويشعرهم بأنه وراءهم في كل صغيرة وكبيرة، دون أن يتغاضى عن شيء من هفواتهم أو زلاتهم.ومن مظاهر الخطأ في تربية الأولاد: التفريقُ بينهم، سواءٌ كان ذلك ماديًّا، أو معنويًّا؛ فهناك من يُفرِّق بين أولاده في العطايا، والهدايا، والهبات وهناك من يفرق بينهم بالملاطفة والمزاح، والمحبة، إلى غير ذلك من صور التفريق، التي تسبب شيوع البغضاء، وتبعث على النفور والتنافر.ومن مظاهر الخطأ في تربية الأولاد: تركُ المبادرة في تزويج الأبناء مع الحاجة والقدرة، والمماطلة في تزويج البنات، والمتاجرة بهن، وتزويجهن بغير الأكْفَاء.وهذا من إضاعة الأمانة، والتسبب في شقاء الأولاد.ومن مظاهر التقصير في حق الأولاد: تسميتهم بأسماءٍ سيئة، أو مخالفة، فمن الناس من لا يأبه بذلك، فمنهم من يسمي ولده بالاسم القبيح؛ بحجة أن جدَّه فلانًا أو جدَّته فلانة تسميا بهذا الاسم؛ فهو يرى أن من البر أن يسمي بأسمائهم، ولو كانت غير مناسبة.وأخيرًا نسأل الله أن يعينك-أخي القارئ-وأن يهديك لأرشد أمرك، وأن يحبب إليك الإيمان، ويزينه في قلبك..


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)