الجزائر - Revue de Presse

بن بلة: في المشرق كما في المغرب



بن بلة: في المشرق كما في المغرب
عندما طالبنا الحكم في الجزائر في أواخر سبعينات القرن الماضي، اطلاق سراح احمد بن بله فلاعتقادنا آنذاك ان سجنه كان يشكل لطخة على جبين الثورة الجزائرية التي كان الراحل الكبير من أبرز قادتها وأقربهم إلى القلب، ولاعتقادنا، ثانياً، ان عودة بن بلة إلى الحرية كانت تشكل عودة عن خطأ كبير، وتصحيحاً لمسار، وفتحاً لباب ولو ضيق من الامل، ومخاطبة ولو محدودة للتطلعات الديمقراطية للشعب الجزائري الذي بذل على طريق المقاومة أغلى التضحيات ليرى بلاده حرة عزيزة كريمة، تسودها العدالة والمساواة وتقودها جماعات مجاهدة تحترم بعضها البعض، ترعى الحقوق، تؤمن بتداول السلطة وتعمل على استعادة دور الجزائر مغربياً وعربياً ودولياً. فالجزائر التي هزمت الاستعمار الفرنسي والهبت مخيلة الشعوب، والهمت الحركات الثورية في افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية كانت مهيأة بعد الاستقلال للعب دور كبير وخطير في نهضة القارات الثلاث وتحررها من الاستعمار وبناء مؤسساتها الحديثة على قواعد راسخة مستمدة من القيم السامية التي حركت الشعب الجزائري واضطرمت كفاحه التاريخي ضد الاستيطان والتسلط والاستبداد.
وقد راعنا في تلك الفترة انكفاء الثورة وابتعادها عن ممارسة دورها القومي والاممي حيث كان الأمل معقودا عليها لتصحيح السياسة العربية، ونسج علاقات تفاعلية داخل المغرب العربي، وبينه وبين المشرق العربي، لا سيما وان دور مصر كان مكبلاً بمعاهدة كمب ديفيد التي خذلت القضية الفلسطينية وخدمت الكيان الصهيوني في غير مجال.
واهمية بن بلة في ذلك السياق لم تكن تكمن من رمزيته النضالية واصالته الاخلاقية فحسب وانما أيضاً في ممارسته السياسية وتوجهاته الفكرية حيث كان في طليعة الملتزمين بعروبة الجزائر وثورتها الخالدة، وفي مقدمة المؤمنين بدور مصر ووحدة النضال العربي وقد تشبع خلال محنته في السجن بتجربة غنية بلورة افكاره الديمقراطية والوحدوية، ورسخة ايمانه بالتعددية، وحقوق الغير، افراداً وجماعات، في الجزائر كما سواها مما أهله ان يستأنف دوره الريادي في البناء والتطوير، وصد تيارات التطرف والاستبداد، ومساندة تيارات التقدم والانفتاح سيما وان احدا لا يستطيع التشكيك في ايمانه الديني أو معتقده القومي أو رؤيته الانسانية.
وبرحيل بن بلة اليوم تزداد الساحة العربية تصحراً وافتقاراً إلى شخصيات عربية فذة تحمل روح العصر، عابرة للكيانات والاقاليم، مناهضة للمخططات والخرائط الاجنبية، مؤمنة بتحرير فلسطين، ناهضة للتفاهم مع دول المحيط، متنبهة لاقامة افضل العلاقات مع الدول المتحررة، حريصة في كل زمان على احترام الذات وارادة الشعب ولا سيما في التعامل مع دول العالم.
وعندما خرج بن بلة من السجن والتقيناه مراراً في بيروت وسواها كان في كل مرة يبرهن عن تفوق وسعة ادراك بقضايا المنطقة والعالم فهو لم يترك للحقد ان يكرر خطاه، ولم يسمح لليأس ان يتسلل إلى داخله فقد عرف كيف يتخلص سريعاً من روسبات الماضي وارتدادته وكيف يزيد من مساحات الحوار مبشراً بالانفتاح والتفاهم بين مكونات بلاده كما البلاد العربية، محذراً من النزعات الفردية والسياسية الفئوية والممارسات الاقصائية، داعياً في الوقت نفسه إلى تفاهمات عريقة بين التيارات الاسلامية والقومية مذكراً الجميع بمحنة العراق واحتلال فلسطين وان طريق النضال لا زال في بدايته.
واذكر انه عندما زار لبنان لاول مرة بعد خروجه من السجن كان حريصاً على زيارة كسروان واللقاء باصحابه واصحاب عائلته هناك. مبادرته كانت رسالة في غير اتجاه لاعتماد الحوار، وبناء الثقة ونبذ الاحقاد. اما بيروت (ومعها كل المدن اللبنانية) التي قدمت نساؤها الاساور للجزائر وثورتها يوم كانت فرنسا تكوي (القصبة) واخواتها فقد رأيت عينيه تفيضان بالحب والاعتزاز نحوها وتستعيدان في الوقت نفسه ذكريات مجيدة تسقط على اقدامها اوراق الخريف.
واليوم إذ يمضي بن بلة إلى جوار ربه مطمئناً مرتاح الضمير تاركا في الحياة العربية اغلى الذكريات، لا بد من نذكر له قائد جزائري كبير احبه المشرق كما احبه المغرب وقد رحل دون ان يخلف وراءه ثروات واملاك وحسابات في المصارف أو غيرها.


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)