الجزائر

الفيلسوف "إيمانويل كانط" في أيامه الأخيرة..

هذا كتاب من أغرب وأعجب ما قرأت في أدب التراجم والسير، وأعني به ”الأيام الأخيرة في حياة الفيلسوف ”إيمانويل كانط”(1724-1804). ومؤلفه هو الكاتب الإنجليزي توماس دوكوينسي، (1785-1859)، الذي عرف بالعديد من الكتابات الأدبية، وأخصها بالذكر، ”مذكرات آكل الأفيون” التي كان لها تأثير بليغ في أوساط بعض أهل الأدب، ومن بينهم القصصي والشاعر الأمريكي، ”إدجار آلان بو” (1809- 1849)، والشاعر والناثر الفرنسي، ”شارل بودلير” (1821-1867)، خلال القرن التاسع عشر، والكاتب القصصي الأرجنتيني، ”جورج لويس بورجيس”(1899-1986)، في القرن العشرين.
أما الغرابة فإنها متأتية من طريقة المعالجة نفسها. فقد عالج المؤلف حياة الفيلسوف إيماونيل كانط في أيامه الأخيرة، وذلك ما يعد أمرا بالغ الجدة في هذا الشأن، ولم يسبقه إلى هذا النوع من المقاربة إلا الفيلسوف اليوناني أفلاطون حين وصف اللحظات الأخيرة في حياة أستاذه الفيلسوف سقراط بعد أن اجترع سما ناقعا على إثر الحكم عليه بالإعدام من قبل قضاة أثينا. وأما العجب فهو نابع من كون المؤلف قد تحدث بتلقائية مذهلة عن شخصية هي من أهم الشخصيات الفلسفية على مدار الأزمنة، ولكن، دون أن يعرفها اللهم إلا من خلال ما قيل عنها في بعض الكتب في زمنه، وما أورده بعض أصدقاء ذلك الفيلسوف.
حوصل ”دوكوينسي” كل ما كتب عن كانط خلال العقد الأخير من حياته، وخاصة ما كتبه ثلاثة هم من أقرب الأصدقاء إليه. وأورد التفاصيل كلها عن حياته الشخصية واليومية والعلمية، بل إنه وصف لحظات النزع الأخير عند كانط وكأنه كان حاضرا قبالته، ساعة بساعة، وثانية بثانية، بل إنه تحدث عن حشرجته وهو يلفظ الروح.
لكن، ما يشفع للمؤلف هو أنه حاول قدر الإمكان أن يكون متأدبا مع شخصية كانط وعظمته الفلسفية التي طغت على جميع الذين جاؤوا بعده بمن فيهم ”هيجل” و«فيورباخ” و«فيخته” وغيرهم من فلاسفة الألمان. وقد انتظر منه قراؤه أن يطلق العنان لنفسه على جري عادته حين يتحدث عن الآخرين، وينطلق على سجيته مثلما فعل حين وضع كتابه الشهير ”يوميات آكل الأفيون”، لكن، يبدو أن دقة الألمان هي التي طغت على مسعاه، فاكتفى بأن حوصل كل ما جاء في مذكرات أصدقاء كانط، ووضعها في قالب أدبي جميل.
ولعل أجمل ما أورده في هذا الشأن عن كانط إنما هو شعور هذا الفيلسوف في أيامه الأخيرة بأنه، على حد تعبيره، ”لم يعد يجدي الإنسانية نفعا”، بل إنه صار عبئا ثقيلا على نفسه وعلى غيره. وبالفعل، فقد كان إيمانويل كانط معروفا بدقته الفكرية وبمواعيده الدقيقة وبأريحيته في الوقت نفسه. ولذلك، فإنني لمست من خلاله شعور ”كانط” بأنه أحس فعلا بالمرارة والعجز القاتل في أخريات أيامه لأنه ما عاد قادرا لا على التفكير ولا على الحركة، بل، وما عاد قادرا حتى على تذكر أسماء أصدقائه وأفراد عائلته. وأغلب الظن، حسب أوصاف المؤلف، أن ”كانط” أصيب بداء ”الزيهايمر” في آخر حياته، فعجز عن مواصلة التفكير الفلسفي وأقلع عن كل حركة خارج داره في مدينة ”كونيجسبرغ” التي توفي بها عام 1804 عن ثمانين عاما.
والحقيقة هي أن ”دوكوينسي” طلع بفن جديد في الكتابة حين عالج هذا الموضوع الصعب الباعث على الدهشة في نفس الوقت. إذ ما كان أهل الأدب والفكر ينتظرون أن يجيء كاتب من بريطانيا، معروف بأنه من مروجي ”الأفيون”، ولو على الصعيد الأدبي، فيدلي بدلوه في بئر هي أبعد ما تكون عن بلده وعن لغته. ولو لم تكن لي سابقة معرفة بهذا الكاتب لذهب بي الظن إلى أن واضع هذه السيرة العجيبة الغريبة كاتب ألماني لحما ودما وروحا، ولما آمنت بأنه لا علاقة له أصلا بذلك الذي اشتهر بكتابه عن الأفيون وأفاعيله في الوجدان البشري، خاصة في أوساط أهل الأدب والفكر والفن عموما. غير أنه كان من الذكاء ومن حسن التعامل مع موضوعه حتى بدا كتابه هذا، وما زال، وكأن مؤلفه عاش بالفعل في ألمانيا، وكان ألمانيا، وعرف إيمانويل كانط معرفة حقة. وذلكم هو الإبداع الأدبي الأصيل.
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)