الجزائر

السياسة والثقافة وجهان لنضال واحد


رحل بوعلام بسايح، المجاهد وزير الدولة المستشار لدى رئاسة الجمهورية، وهو يصارع المرض إلى آخر نفس بمستشفى عين النعجة الخميس الفارط. رحل في رمشة عين. رحل وهو يقاوم الداء ولم يستسلم لليأس والألم والآهات، جاعلا منها قوة تحدي للبقاء حتى آخر رمق من نفسه.لم يستسلم المجاهد للمعاناة والجرح، معيدا إلى الأذهان ما عودنا في كل محطاته: رجل مقاوم للصعوبات والمتاعب، محبا للنضال الأبدي، ضاربا الأمثلة في نكران الذات والتفرغ للوطن لخدمته بروح المسؤولية وقوة التحدي ورؤية استشراف لا تبقى أسيرة الزمان والمكان.ليس من صدف الأشياء أن تجتمع كلمات رجال السياسة ورفقاء درب الراحل في تأبينيته على خصال تمتع بها فقيد الجزائر أحد أعمدتها الثابتة في البناء والتغيير: استقامته ونزاهته في تأدية المهام على أكمل وجه.شدد على هذا الطرح رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة، في برقية عزاء لأهل الفقيد أن بسايح أدى المهام باقتدار في مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقه والوظيفة المسندة إليه في كل الظروف.أكدت على هذا الطرح شخصيات رافقت الفقيد في مختلف المهام وعملت معه في الدوائر الوزارية والمؤسساتية، بأنه من نعم المسيرين الذين يجعلون المستحيل ممكنا ولا يتوقفون عند الصعاب، معيدين إلى الأذهان التحديات التي رفعها في مسيرته النضالية والسياسية من أجل جزائر قوية، حلم بها قادة الثورة وضبطوا مشروعها في وثيقة نوفمبر.حافظ بسايح على هذه السمة وظل يعمل بلا هوادة، يناضل من أجل الأحسن كلما اسندت له مهام، متشبعا بقيم ثابتة لا تسمح بالتنازل ولا تقبل بالتخلي عنها أو الانتقاص منها. هي قيم تربى عليها أثناء الثورة التحريرية بصفته ضابطا في جيش التحرير وعضو الأمانة العامة للمجلس الوطني للثورة التحريرية قبل استعادة السيادة.حفظ بسايح على هذه الخصال ضاربا المثل للأخرين في فنيات تسيير شؤون الرعية وإدارة المشاكل بالتي هي أحسن بعيدا عن الضوضاء، بهدوء غير معهود قام الفقيد بهذه المهام وهو يؤدي الحقائب الوزارية تلو الأخرى حتى استقر به المقام بالمجلس الدستوري قبل تولي منصب وزير دولة مستشار خاص لدى رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة.تألق في كل الحقول التي اقتحمها بعناد، فارضا نفسه سياسيا دبلوماسيا ومثقفا. فهو أحد مهندسي اتفاق الطائف حول الأزمة اللبنانية، شارك في إدارة ملفاتها بصفته وزيرا للخارجية ممثلا عن الجزائر إلى جانب المغرب والسعودية.تألق الراحل في الحقل الثقافي الذي أبدع فيه بتأليف كتب عن فرسان المقاومة الشعبية بوعمامة والأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية، جاعلا من هذه المؤلفات سيناريوهات لأفلام تؤسس للنضال الجزائري الطويل المرسخ في الفن السابع. هو نضال يؤسس لجوانب مشرقة من تاريخ الجزائر، الذي كتب من قبل جزائريين وصانعي التحرر بالدم والدمع.خاض بسايح تجربة الكتابة الثقافية بأوسع مداها وأبدعها. ألف «محمد بلخير الراية المحرمة»، «من الأمير عبد القادر إلى الإمام شاميل»، «بطل الشيشان والقوقاز»، «من لويس فيليب إلى نابليون الثالث»، «في جذور الأصالة المقاومة بالسيف والقلم»، «عبد الله بن قريو شاعر الأغواط والصحراء»، فكان بحق فارس الكتابة المروجة للوجه الأخر للجزائر. جزائر التاريخ، الحضارة والانتصارات مثلما حلم بها مفجروا الثورة التحريرية وبسايح أحد أعمدتها.
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)