من حق الجزائري الآن، بعد خمسين سنة من الاستقلال، أن يقول بأن ذاكرته ضاعت بسبب حسابات سلطوية ضيقة، همها الوحيد اللحظة الراهنة، وسُبل البقاء في سدة الحكم، لا ربط الأجيال بماضيها التحرري الساطع من أجل بناء مستقبل زاهر، لأن معرفة الماضي هي بوابة الوعي باللحظة الآنية، ومشروع بناء المستقبل.
بعد خمسين سنة من الاستقلال، يزداد الجهل في أوساط الشباب بثورتهم العظيمة، وبتضحيات الشهداء، ولم يبق من تاريخ الثورة، سوى عنوان كبير (ثورة عظيمة)، وإحصائية للشهداء (مليون ونصف المليون شهيد)، وتسابق محموم نحو الثروة، وتصفية للحسابات بين رفقاء الأمس، ليس الغاية منها المعرفة الحقة بالتاريخ، وذلك بتصويب الاخطاء الواردة في الكتابة التاريخية، ورفع التناقضات الموجودة في الروايات، وتصحيح التزييف الحاصل في الوقائع والاحداث، بل الغاية المرجوة من ذلك هي تضخيم الأنا والانتقاص من الآخر، حتى الرمز التاريخي للأسف تدنس وتشوه بفعل تصرفات وسلوكات البعض، ممن ما زالوا في شره كبير للسلطة، ومراهقة مستمرة للبقاء في صورة الزعيم أو القائد.
وما يحدث في حزب جبهة التحرير الوطني هذه الأيام من صراعات حول الزعامة والقيادة يدخل في هذا الإطار، فحزب الأفلان هو إرث تاريخي يمتلكه الشعب الجزائري كله، ليس من حق أحد أن يستولي عليه، أو يدعي بأنه الأحق به، أليس من الأفضل أن نُبعد الرموز التاريخية من دائرة الصراعات حتى تبقى في مرتبة القداسة؟
المشكلة في الجزائر أن هناك جماعات تريد أن تمتلك الماضي والحاضر والمستقبل، وهذا الذي أدى بالشباب إلى عدم الاهتمام بالتاريخ واللامبالاة به، فهذه الجماعات تريد فرض رأيها دون أن تسمع للجيل الجديد، أو تتركه يعبر عن رأيه بكل حرية، بدعوى أنها كانت جزءاً من صناعة الماضي، وهذا يعطيها الحق في أن تفرض رأيها وقراءتها في كل القضايا الصغيرة منها والكبيرة، فالشاب الجزائري الذي يرى نفسه بأنه لا يملك الحق في إعادة قراءة الماضي قراءة واعية، ودراسة جادة، ويداه مكبلتان في صناعة الحاضر، وطُرق الخلاص الفردي مسدودة، والمستقبل مجهول، حيث لا وظيفة ولا سكن، رغم ما تزخر به البلاد من ثروات وخيرات.. كيف نطالب اليوم هذا الشاب الذي يعيش على الهامش بأن يتنازل عن أنانيته، وأن يرتفع إلى مستوى التحديات، ويعي بأن اللحظة فارقة وحاسمة في حياة الجزائر وأمنها واستقلالها؟، كيف نقنعه بأن الوضع سيتغير، وأن ما كان لن يكون بعد اليوم، وأن الغد سيحمل في ثناياه المساواة والعدل والتوزيع العادل للثروة؟ نعم، الجزائر في خطر، وأعداء الأمس يتربصون بها من كل الجهات، والأحداث التي تجري على الحدود الجنوبية، من انقلابات عسكرية، وتأسيس دول، وإقامة إمارات، وخطف دبلوماسين جزائريين، المستهدف الأول فيها هو الجزائر، ومن حق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أن يشبه الانتخابات القادمة المزمع إجراؤها في 10 مايو من العام الجاري بأول نوفمبر 1954 جديد، لأن الخطر يستدعي الاستنفار والتكاتف بين أبناء الشعب الواحد، والمشاركة الشعبية في الانتخابات بمثابة قطع الطريق على الأعداء من التسلل إلى أرضنا، والعبث بأمننا، والاستيلاء على ثرواتنا.
ولكن السؤال المطروح، هل السلطة الجزائرية تأخذ التغيير كضرورة على محمل الجد، وتنظر إلى التغيير الهادئ بأنه صمام الأمان من أي خطر يهدد كيان الدولة ومكتسباتها؟.
ربما الجواب عن هذا السؤال الآن سابق لأوانه، ولكن كل المعطيات تؤكد بأن السلطة غير جادة في عملية التغيير والاصلاح، حيث نجد أن نداءات المخلصين والغيورين على هذا الوطن من أمثال حسين أيت أحمد، وعبد الحميد مهري، وأحمد بن بيتور، وعلي يحيى عبد النور لهذه السلطة بمباشرة إصلاحات حقيقية من أجل وقف أي انزلاق قد يحدث، من شأنه أن يجر البلاد إلى العنف والفوضى، لم تلق صدى عند أصحاب القرار، كما أن المتابع للمشهد الانتخابي هذه الأيام، لا يجد فرقاً قي ممارساته عن ممارسات الاستحقاقات السابقة، فالطبقة السياسية للأسف هشة وضعيفة، حيث إن معظم الأحزاب السياسية لا تملك مشروعاً أو برنامجاً من أجل نقل الجزائر وشعبها من التخلف إلى التقدم، ومن الركود إلى التنمية، والتمكين للمال القذر مستمر، والتصرفات الشائنة التي تمس صدقية الانتخابات متواجدة، كما أن هاجس المقاطعة الشعبية لهذه الانتخابات يطارد السلطة، فالانتخابات هي الأمل الوحيد المتبقي لها لإثبات الشرعية أمام العالم الخارجي في ظرف إقليمي متغير وحساس، أصبح تزييف الواقع فيه، والتلاعب بإرادة الشعوب أمراً صعب المنال، لذلك نجد أن الرئيس بوتفليقة عبر عن توجسه من المقاطعة في خطابه الأخير، ودعا الشعب إلى التحلي بروح المسؤولية، إلا أنه للأسف لم يَقُم بإصلاحات حقيقية من شأنها أن تعيد - ولو القليل من الثقة - للشعب في هذه السلطة، وتقنعه بأن الانتخابات القادمة ستكون نزيهة وشفافة، وبوابة للتغيير الحقيقي.
الجزائر تايمز / سعدون يخلف - الجزائر
-
تعليقكـم
سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
مضاف من طرف : presse-algerie
صاحب المقال : الجزائر تايمز
المصدر : www.algeriatimes.net