الجزائر - Revue de Presse

''الخبر'' في ضيافة الفنان حسين لصنامي ''ماسياس صديقي.. ومواقفه السياسية لا تعنيني''


لا يمكنني تشريف الجزائر بدربوكة وسانتي دخلنا بيت حسين لصنامي ونحن على عتبة استقبال السنة الجديدة، فوجدناه رجلا نشيطا مهموما بواقعه، متواصلا مع بلاده رغم سنوات الهجرة. حديثك إليه لا يعطيك الانطباع بأنه فنان مغترب، لا في لغته ولا في عفويته المتوسطية، صريح لأقصى درجة، يعلن صداقته لأنريكو ماسياس غير مبال لا بالأحكام المسبقة ولا البعدية.  ضبطنا موعدنا مع حسين لصنامي على الساعة الرابعة زوالا بمقر سكناه في القبة بالجزائر العاصمة، وهو ما كان حتى لا نتركه ينتظر كثيرا. تفاجأنا عند اقتراب الوقت، أن حسين ''محجوز'' في طابور طويل من السيارات يحول دون وصوله إلى بيته ليفتح لنا الباب بنفسه. فقد وقع في ''فخ'' ظن أنه يتجنبه، طالما أن ساعات الذروة لم تحن بعد، دون أن يدرك بأن الجزائر العاصمة تختنق على مدار ساعات اليوم، وأن الزحمة باتت تخنق أبناء البلد وزوارها دون سبب مقنع.
هونت الأمر على محدثي، عندما كنا بانتظاره ببيته، نرتشف فنجان قهوة، ونستمتع بمذاق شكولاطة قدمتها لنا عائلة الفنان، وهي تستعد للاحتفال برأس السنة الجديدة .2011
كانت أرجاء الشقة كلها تكشف شخصية صاحبها، تعلن لمن يعرفه ومن لا يعرفه من يكون: الأبيض والأسود متصالحان في ديكور هادئ، والأحمر يتخلل الجلسة مانحا رفاهية الاسترخاء، وصور فوتوغرافية موزعة هنا وهناك، في شكل جدارية فنية تظهر حسين يتوسط شخصيات من عالم الفن والسياسة، مبتسما في بذلته الأنيقة واثقا.
ألبوم صور بخمس نجوم
من بين الصور التي تشد الأنظار، تلك التي يقف فيها لصنامي أمام كوفي عنان أمين عام هيئة الأمم المتحدة سابقا، والتقطت لهما في حفل خيري بباريس سنة ,2007 وأخرى مع الممثل الأمريكي جورج كلوني، وثالثة مع الفنان الكبير شارل أزنافور (95)، ورابعة مع فرانك سيناترا، أما أحدثها فالتقطت له بمهرجان ''كان'' السينمائي في طبعته 63، أي الأخيرة.
ظننا لوهلة أننا انتهينا من جولتنا البصرية في عالم النجوم، ولم نكن ندري أن وصول مضيفنا سيقودنا لاكتشاف حقائق أخرى عن عالمه الفني ومحيطه، بعد أن أخرج لنا صورا أخرى منها ما كان مخبأ في الأدراج وأخرى على الرفوف.
يصف حسين تلك اللحظات قائلا ''لا أريد أن أبدو متملقا أو مدعيا وأنا أريكم هذه الصور، بل العكس، أنا لا أشعر بأنني مغرور، بقدر ما أشعر بالسعادة وأنا أستعيد تلك اللحظات التي خلدتها صور، تظل دليلا على الطريق الذي انتهجته منذ خروجي من الجزائر''.. هي جزء صغير وضئيل من الصور التي لدى لصنامي، والمقدرة بـ250 صورة تخلد ذاكرة الفنان.
تميز مضيفنا بالبساطة والعفوية في التعامل معنا، فكان كتابا مفتوحا نقرأه بسهولة، ينتقل بين صورة وأخرى، ويبحث في مكتبته السمعية البصرية ليرينا حفلاته في مناسبات راقية، نشطها لشخصيات معروفة عبر العالم.
 سألته: من يراك يحسب بأنك لست فنان الجماهير الواسعة؟ أجابنا ''ليس الأمر كما يبدو لك، فأنا أحب الجماهير الواسعة والتفاعل معها فوق الخشبة، لكن الأيام علمتني كيف أكون فنانا لفئة معينة دون غيرها''.. لم تكن هذه الإجابة بمثابة الاعتراف بالنسبة إلي، بقدر ما أكدت لي ما أعرفه عن صاحب ''زينك هولني''، الذي يمتلك صوتا عذبا، يؤلف الموسيقى ويكتب كلمات الأغاني، إضافة إلى كونه عازفا جيدا على آلات متنوعة، ويصنف حاليا في عداد الفنانين الجزائريين المحترفين وفق المعايير الأوروبية، تصله دعوات لإحياء حفلات في أفخم الأماكن، وأمام شخصيات مرموقة في أوروبا والشرق الأوسط وهوليود.
''أشعر بالاعتزاز عندما أتذكر يوم صفق لي جامس كامرون وسيلفستر ستالون وباميلا أندرسون في حفل خاص سنة .2000 ساعتها فكرت في الجزائر وليس في شخصي''، يوضح المتحدث، وهو يروي لنا الظروف التي جمعته بهذه الأسماء ''لم أسع إلى ملاقاة هؤلاء بل كان الحظ حليفي، كما حدث مع فرانك سيناترا في 1993، حين تواجدي بنيويورك، إذ فاجأني صديق لي بزيارة الفنان في بيته، لم أحضر لذلك فسارعت إلى شراء آلة تصوير بسيطة جدا، يومها كان سيناترا متعبا قليلا، قدمت على أساس أنني مغني جزائري فسعد كثيرا بذلك، فأهدى لي بصوته أغنيته الشهيرة ''الحياة الوردية'' لأوديث بياف، وبدوري غنيت له مقطعا من (مهاجر في الليل) فأعجب كثيرا بصوتي''.
أنريكو ماسياس جزائري وليس صهيونيا
من بين الصور التي تلفت الانتباه وأنت تجول بنظرك في منزل لصنامي، صورتان عائليتان تجمع حسين وماسياس، يبدو فيهما الرجلان على درجة كبيرة من التفاهم، فقد جمعتهما مشاريع فنية لقيت نجاحا واستحسانا جماهيريا بفرنسا، حسب حسين الذي ذكرنا بأغنية ''الحياة الاجتماعية'' التي كتبها خصيصا لأنريكو في .2006 وعنها يقول ''لأنني تربيت على صوت أغانيه منذ الصغر، لم أعرف شعورا تجاه ماسياس سوى الحب والإعجاب، لهذا فكرت في إهدائه نصا يتغنى بالجزائر''.
شاهدنا مع حسين تسجيل لحفل أحياه ماسياس في تلك الفترة، يغني باللغة العربية مرددا ''راني صابر في جمالك زهو كواني، باه ننساك محال، باقي نعشق في قسنطينة بجاية وغليزان والدزاير غالية علينا، وهران وتلمسان تنحي من قلبي الغبينة..''.
قلت لحسين: ألا تخشى الإفصاح عن صداقتك لماسياس؟ هل تعلم بأن ثمة من لا يرغب به في الجزائر؟ فجاء رده صريحا ''أنريكو صديق لي ولعائلتي أيضا، ولا يزعجني ذلك أبدا. تعرفت عليه في 1980 ثم توطدت علاقتنا في 1998، من يومها اقتربت منه كفنان وإنسان في آن واحد، لم أشعر يوما بأنه يكرهنا، أو أنه يكره الجزائر، بل هو عاشق لهذا البلد.. فحتى الجزائريين في المهجر لا ينفرون منه، ويتقبلونه كواحد منهم''.
يضيف المتحدث ''كان يحب مرافقتي إلى بعض الأماكن حيث يتجمع الجزائريون، خاصة أثناء مباريات الفريق الوطني في مونديال جنوب إفريقيا، وينخرط في حماسهم مشجعا الخضر، لم أشاهد أحدا انزعج لتواجده هناك''.
وعن مواقف صديقه السياسية يؤكد محدثنا: ''لماذا تعلقون على ماسياس وحده، مع أن محمود عباس يصافح بيراس أمام كاميرات العالم دون حرج.. أنريكو جزائري وليس صهيونيا، هذا هو أساس تعاملي معه، أما مواقفه السياسية فلا تعنيني''. قبل أن يضيف ''أنطلق من مبدأ لكم دينكم ولي دين.. ثم نحن لا نتحدث في السياسة أبدا، بل نتقاسم حبنا للموسيقى واللحن الجميل، طبعا الجزائر هي إحدى النقاط المشتركة بيننا فلماذا أمنعه عنها.. بأي حق؟'' يردد مستغربا وعلامات الانفعال بادية على وجهه.
تركته يهدأ قليلا، ثم أردف ''أنا لا أدافع عن ماسياس كما قد تظنين، لست محاميه، أنا فقط أنقل لكم نوع العلاقة الإنسانية الجميلة التي تجمعني به منذ سنوات، المبنية على الاحترام والتقدير.. لم أشعر يوما بأنه يحتقر العالم بما فيه الفلسطينيين، وأخبرني مرارا  أنه ضد ما يحدث في الشرق الأوسط''.
لا أزال مولعا ومسحورا بالغناء والموسيقى
ولد حسين لصنامي بين جدران منزل يتوسط القصبة العتيقة، يحتفظ في مخيلته بصور أصيلة من الحياة البسيطة هناك، و''الحايك'' الأبيض الذي يلف النسوة، بما فيهن والدته التي كانت تحب أن يرافقها في زياراتها العائلية.
شاءت الأقدار أن يخرج منها صبيا ليستقر لفترة بحي باب الوادي الشعبي، حيث انفتحت عينا الشاب على الدنيا، ونسج علاقة لا تفسرها كلمات مع سكان ذلك المكان، وإلى غاية 1968 كانت باب الوادي مصدرا حيا لنماذج حياتية صادفها، لكنه ظل الفتى المسالم، المبتعد عن شغب وفوضى أقرانه ''كنت الولد الوحيد من بين ست بنات، صحيح أنني تربيت على الدلال، لكني لم أجرؤ يوما على تخطي قوانين والدي الصارمة، فأنا لم أدخن سيجارة واحدة في حياتي إلى اليوم، ومازلت أحتفظ بتحذيره لي من رفاق السوء وعمري 15 عاما''. في المقابل ''كنت أحب الفرح والمرح في الحياة وسط أهلي وجيراني''.
دندن أول أغنية له وهو في الثامنة من عمره، وعزف على قيثارة اشتراها له والده امتثالا لرغبة وحيده ''تعلمت العزف وحدي، وكبرت وسط أخواتي اللواتي يعشقن الاستماع إلى أنريكو وأزنافور، وسلوى ونورة ورابح درياسة والمازوني وفضيلة الدزيرية، وطبعا عبد القادر شاعو والهاشمي فروابي.. كانت أسطوانة 45 دورة تدوي في أرجاء منزلنا الصغير''.
توقف حسين عن الدراسة عند المستوى النهائي ''درست بثانوية عقبة بباب الوادي، لكني غادرتها من أجل حلمي الأكبر، الغناء والموسيقى، كنت مولعا ومسحورا ولا أزال تحت تأثيرها إلى اليوم''.
يعترف بأنه رمى بنفسه في ''مغامرة فنية'' وجدها ''صعبة وعسيرة رغم جاذبيتها''، والسبب في ذلك ''بدأت مشواري فعليا في 1997/1980،كنت ساعتها أطمح إلى المشاركة في برنامج ''ألحان وشباب'' الذي كان يبث على التلفزيون، لم أكن متيقنا أنني سأتمكن من تخطي بوابة هذه المؤسسة، لأن الأمر كان يحتاج إلى واسطة مقنعة. ولأنني محظوظ ربما، كان المخرج بشير بلحاج آنذاك جارنا، فساعدني على تسجيل أغنية ''ما عادتشي ليا'' و''لبستي القفطان'' بقسنطينة. وفتحت له أبواب أخرى فيما بعد، بفضل شخصيات أخرى على غرار أحمد حراث وبن جدو وجمال خودمي، الذين ساعدوه على تسجيل ''شابة ومسرارة''.
 الملك الحسن الثاني وأغنية '' الزين اللي عطاك الله''
اكتشفنا من حديثنا مع حسين لصنامي، أنه كاتب كلمات وملحن من الدرجة الأولى، بالإضافة إلى كونه مغن، أنغامه الأندلسية وفية للماضي ومسحورة بتغيرات الحاضر والمستقبل، مزاجها يشبه سكان البحر الأبيض المتوسط، تماما مثل حسين الذي يحب أن يحكي أحلامه بلغته الأم، لكنه أيضا كتب لأسماء فنية معروفة على الساحة الوطنية والعربية.
 يوضح ''كتبت للمغني الشعبي عزيوز رايس أغنية (جات جات لعندي) ثم (زينك هولني) في .1984 وغنت لي زكية محمد (الصحة والصوت)، ومحمد العماري (مون ألجيري) في 2005، التي أعادها مؤخرا دون أن يذكر أنني صاحبها''، يردف محدثنا.
أما التونسية لطيفة العرفاوي فغنت له (مارينا) بعد أن أحالت لغتها إلى اللهجة المصرية ''قالت لي يوما: يا حسين لو أنك في مصر أو لبنان سيتنازع عليك الفنانون، وطبعا لم يكن بمقدوري ذلك لأنني أكتب بلهجتي الجزائرية، التي أحبها وأشعر بأنها جميلة للغاية لا ينقصها  شيء''.
حكى لنا حسين قصة أغنيته ''الزين اللي عطاك الله''، فقال ''بلغني في إحدى السهرات عام 1995 أن الملك الحسن الثاني أحب هذه الأغنية كثيرا، وكان يطالب فنانيه بترديدها كلما سنحت الفرصة. الآن أشعر بالفخر والاعتزاز عندما يخبرني رفاقي في المغرب بأنها أعيدت زهاء 300 مرة، حتى ظن البعض أنها من التراث المغربي''.
تنبعث من سيرة لصنامي الفنية عطور الجلسات الملكية، وتشعر بأنه مغني ''الجات سات''، وهو يعيش  بذلك الشعور، يغذيه بقناعة مفادها ''يجب أن أسس لنفسي مرجعية فنية، لا تنزلني إلى درجات أندم عليها يوما، تعلمت من احتكاكي بالكبار كيف أكون فنانا محترفا يحترم إبداعه، ويسطر برنامجا لأدائه''، على حد تعبيره.
أنا لم أهجر الجزائر أبدا
يبدو حسين سريع الانفعال عند الحديث عن وضعية وواقع الفنانين، سألته دون أن أدري أنني سأفجر فيه ألما مركونا في زوايا النفس: لماذا غادرت الجزائر يا حسين؟ لماذا تصر على البقاء بعيدا عن الجزائر إلى اليوم؟
أجابني وقد انتفض من مكانه ووقف قبالتي: ''أولا أنا لم أهجر الجزائر أبدا، أنا أزورها ست مرات على الأقل في العام، لا أزال ابن الحي الشعبي الذي يخالط الجميع، ولا أمشي متكبرا وسط الناس، ثانيا هاجرت إلى فرنسا في بداية الثمانينيات أي قبل أن تبدأ موجة الهروب الجماعي للمثقفين والفنانين خوفا من آلة الموت''.
وعن الأسباب التي تقهر قلبه أعقب غاضبا ''في هوليود غنيت رفقة 25 فنانا وموسيقيا مقتدرا، ونلت شرف تمثيل الجزائر دون أن يكلفني أحد هنا، وفي بلادي يطلب مني تشريف الجزائر بدربوكة وسانتي و200 أورو تكليف مهمة توضع لنا في الجيب، بينما تستقبل أسماء عربية بفرقها التي لا تقل عدد أعضائها عن 50 عضوا''. 
يرتفع ضغط محدثنا عندما يتذكر الراحلين من رفاق الدرب ''أين هي صباح الصغيرة، وجيلالي رزق الله، وكثيرون يموتون في صمت ينتهي بهم العطاء بمشهد على التلفزيون، يطلبون المساعدة لضمان ثمن العلاج''؟


سيظهر تعليقك على هذه الصفحة بعد موافقة المشرف.
هذا النمودج ليس مخصص لبعث رسالة شخصية لأين كان بل فضاء للنقاش و تبادل الآراء في إحترام
الاسم و اللقب :
البريد الالكتروني : *
المدينة : *
البلد : *
المهنة :
الرسالة : *
يرجى إدخال الرمز أدناه
*



تحديث الرمز

(الحقول المتبوعة بـ * إجبارية)
تعليق : 16834
بعث من طرف : زكي
المهنة : لاشئ
المدينة : الدزائر العاصمة
البلد : الجزائر
التاريخ : 10/07/2011
نص التعليق : اغنية الزين الي عطاك الله لم افهم شيئا عن مصدرها فالمغاربة متاكدون من مغربيتها والجزائريون يقولون عنها جزائرية؟ لمادا لا يصرح احدهم علنا ان الاغنية لهذا البلد ام داك



X

صفحتنا على الفايسبوك